يعاني المهتمون بموضوع المذاهب الفقهية الإسلامية، من وجود عدد لا بأس به، من المعترضين على تقليد أي منها، ومن إطلاق العنان لكل إنسان، في النظر المباشر إلى نصوص كتاب الله ـ سبحانه وتعالى ـ وسنة نبيه ـ صلى الله عليه وسلم، من أجل استخراج الأحكام واستنباطها، يفتحون بهذا باب الاجتهاد لكل أحد في الدنيا، ولا شك أن هذا نابع عن عدم تمام المعرفة بقيمة المذاهب الفقهية، أو قيمة أعلامها رحمهم الله تعالى جميعاً.

حقيقة المذاهب الفقهية الإسلامية، التي ينبغي أن يعرفها من يريد أن يتحدث عنها، إيجاباً أو سلباً، أنها مدارس فكرية، وفي الوقت نفسه مناهج علمية، وكذلك قواعد محددة؛ ولا يتصور بحال من الأحوال أنها تقل في مستواها عن مذاهب الفلسفة المختلفة، أو مدارس الطب، أو الهندسة، أو فنون العمارة، بل ـ يعدها المنصفون لها ـ تتفوق عليها من حيثيات كثيرة مختلفة، في مقدمتها الخدمة المتفانية لأتباعها لها، وتوسع انتشارها، واستمراريتها..

لا يمكن لأي عاقل، منحه الله ـ سبحانه وتعالى ـ الحكمة والبصيرة، أن يشكك أبداً في دور المذاهب الفقهية في حفظ الدين على الناس أجمعين، طيلة هذه القرون الطويلة، وهذا الفضل يعود، بلا شك ولا ريب، إلى أئمة عظام، لا يختلف أحد، على قوة علمهم، وتمكنهم من مختلف أدوات النظر والاستدلال، وأنهم امتداد لمن قبلهم من التابعين، والصحابة ـ رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ـ، وتأكيد تام على الاتصال القوي لكافة المذاهب، بمنهج النبي الأعظم ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وتأكيد لا يقبل التشكيك، على أن تقليد مذاهبهم ليس فيه أي مخالفة للقرآن العظيم، ولا السنة المطهرة، وأنه ارتباط بالطريق الصحيح لتلقي علوم الشرع الشريف..

أخيرا أذكر بأن العاقل والفاهم؛ لا يمنعه عقله وفهمه من ذكر أن على المقلد للمذاهب الفقهية الحذر من المساهمة في تكوين صورة سلبية عن التمذهب بالمذاهب، مثل التعامل معها بشيء من القداسة، أو أن يتعصب لما يراه، وغير ذلك مما من شأنه هدم فكرة أن المذاهب الفقهية، من أكبر آثار رحمة الله تعالى بعباده.