«المسألة الشرقية».. عبارة أتذكرها ويتذكرها جيلي ومن سبقه، وقد ترددت كثيراً في الكتب والمناهج المقررة في المدارس، حين كانت المقررات التاريخية لا تخجل من ذكر سياقها وتذكيرنا بخيباتنا وهزائمنا.

العبارة ذاتها، انسلت من الحضور، واختفت من الذاكرة ببراعة وخفة، كاختفاء الكثير من المعطيات التاريخية عن صفحات المناهج التاريخية، لكنها عادت إلى ذاكرتي المثقوبة قبل أيام وأنا أقرأ من جديد كتابا «قديماً» عن القضية الفلسطينية.. هل قلت «القضية الفلسطينية»؟.. حسنا.. ها نحن الآن أمام عبارة تكاد تندثر من قواميسنا، لتحل محلها عبارة «العملية السلمية» وبالمناسبة.. كانت «القضية الفلسطينية» عنواناً لمقرر مستقل في المدارس.

المسألة الشرقية.. كانت كابوساً امتحانياً لطلبة المرحلة الثانوية من جيلي ومن سبقه، لكثرة المعطيات فيها، وهي معطيات تاريخية تعكس تعقيدات العالم ومصالحه المتشابكة، وللتذكير فإن المسألة الشرقية بتعريف موجز هي: مجمل (صراع) بين الدول الأوروبية خلال القرن التاسع عشر حول تقسيم أملاك الرجل المريض (الدولة العثمانية) الناجم عن ضعفها وقد مرت في خمس أزمات، هي: حرب التحرير اليونانية، قضية محمد علي، حرب القرم، الحرب الروسية ـ التركية، مؤتمر برلين عام 1878 ثم ضم البوسنة والهرسك إلى النمسا عام 1908 (في مطلع القرن العشرين).

المسألة الشرقية، في سياقها التاريخي، هي بداية المهزلة التي انتهت بضياع فلسطين، لتبرز بعدها «مسائل» كثيرة تراكمت مع السنوات والعقود.. لتبني على أنقاض المسألة الشرقية تاريخاً جديداً من التعقيدات والخيبات.

اليوم.. وعلى ضفاف أزمات «عنقودية» متوالدة في الشرق الأوسط، نجد أنفسنا كعرب أمام تحارج تاريخي مذهل، تختلط فيه الوقائع المتسارعة بالأساطير التاريخية، وقرارات دولية ومبادرات تتوالى فوق بعضها بدون توقف، فتجعلنا كلها واقعين في حالة تيه وضياع يصطدم بواقع «إسرائيلي»، ومن المفارقات المذهلة.. أن ما كنا نسميه «الكيان الغريب والمصطنع» يبدو اليوم الأكثر ثباتاً على الأرض من باقي عناصر المعادلة.

«المسألة الشرقية» بدأت بتقسيم تركة رجل أوروبا المريض، وانتهت اليوم إلى شظايا مسائل متعددة، أبرزها «المسألة الإسرائيلية»، وملامح «طللية» باقية لمسألة «عربية» توشك على الاضمحلال، والمفارقة التاريخية المذهلة ببروز تركيا «كمسألة» شرق أوسطية مقابل المسألة «الفارسية» المنبعثة من قمقم التاريخ الغابر بعباءة دينية غريبة الوجه واليد واللسان، تمتد في العراق وسوريا بين حين وآخر، فتصبح «المسألة العراقية» مثل «المسألة السورية» عناوين للتشظي العربي في القرن الواحد والعشرين.

المنطقة أكثر من خصبة لتوالد أكثر من «مسألة».. وإسرائيل تعيش على علامات تعجبنا التي تطرحها المسائل المتوالدة.