ما هي الميزة الأكثر أهمية بالنسبة لوكيل الخدمات العقارية؟.. هناك ثلاثة أجوبة: «الموقع، ثم الموقع، ثم الموقع»، وفي السياسة الدولية أيضاً، يمثل الموقع عامل قوة.

لقد قام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بزيارة إلى موسكو في الثامن من شهر أبريل الجاري، وهي الزيارة الثالثة له إلى روسيا هذا العام، ويُعدّ التقارب التركي مع روسيا واحداً من أهم العناصر المؤثرة في السياسة الدولية لمنطقة الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة.

والسؤال المهم الآن: هل هذا يعني أن تركيا ستتخلى عن عضوية حلف شمال الأطلسي (الناتو) لتنضم إلى المعسكر الروسي؟.. لا شك أن مثل هذا الاستنتاج السطحي لن يتحقق، ذلك لأن تركيا تستخدم القوة التي ينطوي عليها موقعها، وهذا يعني أن أهمية تركيا تكمن في موقعها، كما أن سيطرتها على البوسفور تزيد من قيمة موقعها الجغرافي، وترفع من حدّة صوتها السياسي، ويضاف إلى ذلك الأهمية الجيوسياسية لتركيا، والتي يعمل أردوغان على استثمارها وتحويلها إلى قوة حقيقية، وهذا الموقع الجيوسياسي لتركيا دفع الولايات المتحدة وأوروبا الغربية للتنافس مع روسيا من أجل ضمان حرية الدخول إلى تلك المضائق المهمة.

ومدينة إسطنبول التي تمتد على ضفتي مضيق البوسفور هي واحدة من أكثر المدن اختناقاً بالسكان في التاريخ البشري، وتتموضع إسطنبول على التخوم الفاصلة بين قارتي آسيا وأوروبا، لتغلق بذلك المخرج الوحيد للأساطيل الروسية من البحر الأسود إلى البحر الأبيض المتوسط، وإذا تم إغلاق المضيق، فسوف تخسر روسيا موقعها كقوة عظمى. وهذا ما يفسر السبب الذي يدفع روسيا لتجنب الدخول في مواجهة عسكرية مع تركيا، وفي معظم الحالات، كان الصراع الروسي- التركي ينتهي بتقديم الروس لتنازلات من أجل وقف التصعيد.

وحتى عندما أسقطت تركيا الطائرة القاذفة المقاتلة الروسية قرب الحدود السورية في شهر ديسمبر من عام 2015، وأيضاً عندما اغتيل السفير الروسي في تركيا من طرف رجال شرطة أتراك في أنقرة في شهر ديسمبر 2016، اضطر بوتين في النهاية لغفران هذه الذنوب لتركيا بعد أن هددها بأسوأ العواقب، ومن جهتها، تعمل روسيا على إغراء تركيا بعرض جذّاب لتزويدها بمنظومة صواريخ دفاعية من طراز «إس-400»، وتتظاهر تركيا بأنها وقعت أسيرة لهذا الإغراء، ولكنها في حقيقة الأمر تحاول دفع الولايات المتحدة وأوروبا الغربية لتقديم عرض أكثر سخاء لها.

وتحاول الولايات المتحدة بدورها إغراء تركيا بالموافقة على إشراكها ببرنامج تطوير الطائرة المقاتلة «أف ـ 35» بحيث تتمكن تركيا من نقل تكنولوجيا بنائها، إلا أن هذا الخيار لا يمكنه أن ينافس الوعد الروسي بتزويد تركيا بمنظومة الدفاع الصاروخي المتطورة.

وأكملت دول الناتو مناورات عسكرية في رومانيا بين 5 و13 أبريل الجاري، ومن دون التعاون التركي في مجال استخدام مضائق البوسفور فإن من المستحيل أن يثبت حلف الناتو وجوده في البحر الأسود، وهذا يعني أن تركيا تتاجر بموقعها حتى تحصل على أعلى الأسعار.