المخاوف السياسية المتصلة بالتحرك الأخير للمشير خليفة حفتر الهادف لاسترجاع العاصمة الليبية طرابلس من سيطرة الميليشيات، هي مخاوف مشروعة تبعاً للحساسية التي تبديها القوى الديمقراطية والمدنية، في ليبيا وفي جوارها من كل سطوة عسكرية، لكن مشروعية التخوفات لا تحجب أن التحرك الأخير هو من جنس العمليات الجراحية الضرورية، وإن أحدثت ألماً أو مضاعفات.

على ذلك فإن الورم الميليشياوي، الذي تمدّد في ليبيا، لن يحولَ فقط دون إجراء أي مسار سياسي في المستقبل، بل سيطبع مستقبل البلاد بأثر العصابات وسيقضي على إمكانية استرجاع الدولة لمكانتها.

تعيش ليبيا منذ العام 2011، وضعاً سياسياً تراجعت فيه الدولة بمؤسساتها لصالح ارتفاع سطوة الميليشيات، لم تنفع كل المحاولات الداخلية والإقليمية والدولية، في أن تعيد للقطر الليبي استقراره وأمنه، وتعزز ذلك بعلو صوت الميليشيات الإسلامية متعددة الولاءات؛ القاعدة وداعش والإخوان وغيرها من الانتماءات الإسلامية التي تختلف تكتيكياً لكنها تتفق في الرؤية الاستراتيجية.

في هذا الوضع الملتبسُ كانت عملية المشير خليفة حفتر محاولة لاسترجاع الحد الأدنى من مقومات الدولة في مستوى بسط نفوذها على المجال الليبي، والاعتراضات التي واجهت تحركه تنوعت بين الاعتراض المبدئي الذي يرفض استعمال المسارات العسكرية لفرض الوقائع السياسية، وبين اعتراضات أيديولوجية انتصرت للانتماءات الإسلامية، ورأت في التحرك تهديدا لسطوة الميليشيات على مناطق النفوذ في ليبيا.

الرفض الإسلامي لتحرك حفتر يمكن أن يفيد في فهم الواقع الليبي الملتبس، ويمكن أن ينفع في تبين الاصطفافات السائدة، كما يمكن أن يساعد على تبين الحلول.

لقد نددت تركيا وقطر بتحرك الجيش الوطني الليبي، وسارعت الجماعات الإسلامية بمختلف تلويناتها إلى الذهاب نفس المذهب، وعزز الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الموقف الإخواني ببيان عاصف، وانتحت حركة النهضة التونسية نفس المنحى، وكان هذا الإجماع الإسلاموي دالاً على أن تلك الجماعات تنتصر للميليشيات على حساب إيلاء الوطن والدولة ما يستحقانه من عناية، والأمر مفهوم، سياسيا وعقائديا، لدى تلك الجماعات التي لا تقيم وزنا للانتماء الوطني، ولا ترى ضيراً في أن تنتصر لجماعاتها وإن كانت في ثوب ميليشيات أو عصابة.

عملية الجيش الوطني الليبي، ليست الحل المثالي لإخراج ليبيا من واقعها المأزوم، لكنها الحل الوحيد المطروح اليوم، على أن تحدد أهدافها، وتكتفي بإيقاف عربدة الميليشيات، وتوحيد المجال الليبي تحت سلطة دولة تحتكر العنف الشرعي وتبسط نفوذها على الفضاء.. الوضع الليبي لم يعد يحتمل المزيد من التشرذم، الذي بين أنه يشبه نزيفاً غير قابل للتوقف ما لم يتحد الليبيون حول مشروع وطني وديمقراطي، ولعل طوفان الكرامة أولى خطوات هذا المسار.