كنّا نتحدَّث عن العلم والسياسة حين قال لي الدكتور أحمد زويل: لقد قابلت أنجيلا ميركل وخافيير سولانا، وقد فوجئت أن كليهما درس العلوم الطبيعية.. لقد روت لي الزعيمة الألمانية عن دراستها الفيزياء في الجامعة، وعن عملها في مختبر للكيمياء الفيزيائية، ثم حكت لي كيف أن مختبر السياسة أكثر صعوبة وتعقيدًا من مختبرات العلوم.

ولدت السيدة أنجيلا ميركل في هامبورغ، لكنّها عاشت حياتها في ألمانيا الشرقية.. كانت والدتها مدرسة لغة إنجليزية ووالدها رجل دين، لكنّها قالت إنَّهُ يعمل سائقًا، لأنّ السلطة الشيوعية في ألمانيا الشرقية كانت لا تعترف برجال الدين.

تقول الصحفية الألمانية «باتريشيا ليسنير كراوس» مؤلفة كتاب «ميركل.. السلطة.. السياسة» أنّ أنجيلا كانت طالبة، متفوقة وكانت أولى الثانوية في مدرستها خلال الدراسة الثانوية. وقد اختارتْ دراسة الفيزياء في الجامعة، لأن السلطة الشيوعية كانت تتدخل في كل شئ ماعدا العلوم الطبيعية.. كما تروي الكاتبة قصّة عمل أنجيلا كنادلة في إحدى الحانات لدفع قيمة إيجار السكن. حيث كانت تحصل على نسبة من كل مشروب تبيعه.

درست أنجيلا الفيزياء، ثم تزوجت من زميلها ميركل الذي أخذت منه اسمها. دام الزواج بعض الوقت، ثم تزوجت مرةً ثانية من البروفيسور يواخيم زاور وقد كان مشرفًا على رسالتها للدكتوراة. والبورفيسور زاور عالم كيمياء مرموق، كما أنه سبق ترشيحه لجائزة نوبل في الكيمياء.

عملت الدكتورة أنجيلا في مختبر الكيمياء الفيزيائية، وأثناء عملها الكيميائي الفيزيائي راقَ لها العمل في السياسة، فكان أن عملت في وحدة الكمبيوتر في أحد الأحزاب، لكنّها سرعان ما تركته بعد الوحدة الألمانية لتنضم إلى الحزب الديمقراطي المسيحي، وكانت تلك هي نقطة نهاية الجملة بشأن الفيزياء والكيمياء، وبداية جملة الحزب والسلطة في حياتها.

نجحت الدكتورة أنجيلا على نحوٍ مذهل، نائبةً ووزيرة. كما أنها حظيت بدعم أستاذٍ كبيرٍ كان وراء قصة صعود الدكتورة إلى «الزعيمة». إنّه الزعيم هيلموت كول بطل الوحدة الألمانية الذي كان يعتبر ميركل ابنته، وكان يلقبها أعضاء الحزب بـ «فتاة كول». وبعد قليل نجحت في هزيمة الزعيم غيرهارد شرودر لتصبح أول سيدة تحكم ألمانيا المعاصرة.

والآن.. تكمل الزعيمة أنجيلا ميركل العام الثامن عشر في رئاسة الحزب، والعام الأربعين في حقبة العِلم.

تواجه ألمانيا ما بعد ميركل.. مشكلات تباطؤ النمو، وانعكاس الحرب التجارية الأمريكية الصينية، وكذلك خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وفوق ذلك تواجه ألمانيا ومعها كل أوروبا حربًا نصف باردة مع الولايات المتحدة التي لم تعد تفكر على نحو أطلسي، وباتَ تفكيرها أمريكيًّا لا غربيًّا.

نجح قادة ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية في استعادة الأمل، ونجح هيلموت كول في استعادة الوحدة، ونجحت الدكتورة ميركل في استعادة القوّة.. إن أعظم ما قدّمته ميركل لألمانيا هي أنها نقلتْ العلم من المختبرات إلى المؤسسات. ونقلت المنهج من المعمل إلى صناعة القرار.