استوقفتني - وأنا أقضي أياماً في قريتي بولاية بيهار بعيداً عن ضوضاء العاصمة نيو دلهي وبريقها - مشاهد الفقر والتخلف ونقص المرافق المدنية والصحية العامة، وبالتالي المستوى المتدني لحياة القرويين وسكان البلدات مقارنة بنظرائهم في كبرى المدن الهندية، شتان ما بين الحياتين من ناحية الوصول إلى المرافق الأساسية من المياه والكهرباء والشوارع المعبدة والمستشفيات والصرف الصحي، علاوة على مصادر الدخل المنتظم.

البحث عن أسباب وتيرة التحول البطيئة في حياة أهل الريف والبلدات، الذين يشكلون الغالبية العظمى من سكان الهند يصيبُ المرءَ بالصدمة من جراء التفاوت المعيشي الهائل بين الموسرين والمعوزين، فالهند معدودة بين كبرى اقتصادات العالم بنمو اقتصادي متواتر وهائل، وإنجازات مذهلة في العلوم وتكنولوجيا المعلومات وتكنولوجيا الفضاء، ووجود أقوى الجاليات المغتربة في أمريكا وأوربا ودول الخليج التي تحول مليارات من الدولارات سنوياً إلى الهند، ومع ذلك تعاني نسبة كبيرة من سكانها من الفقر والأمية والتخلف، ما يؤكد دعوى خبراء الاقتصاد أن الهوة بين الأثرياء والفقراء في اتساع مستمر في الهند، وأن الأثرياء باتوا أكثر ثراء والفقراء أكثر فقراً في ظل النظام الاقتصادي الجديد.

أظهرت دراسة «أوكسفام» الصادرة في يناير 2018 أن نسبة واحد في المئة من أثرياء الهند استحوذت على 73 في المئة من ثروة الهند، وأن 670 مليون من السكان لم يرتفع دخلهم في العام السابق إلا بواحد في المئة، ما يبرهن على تكدس الثروة بأيدي حفنة من البيوتات التجارية العملاقة.

أما الفلاحون الذين ما زالوا يشكلون الغالبية من السكان فقد تدهورت حالتهم، ويضطر كثير منهم للانتحار بسبب الجدب والظروف المالية القاسية.

لقد حققت الهند الكثير في مجال تحقيق الرفاه الاقتصادي لمواطنيها منذ استقلالها والقضاء على الفقر، وقد ساعد تحرير الاقتصاد في مطلع تسعينيات القرن الماضي على إنعاش الاقتصاد الهندي، وظهور طبقة متوسطة عملاقة جنت منافع الطفرة الاقتصادية، ولكن ما زالت هناك شريحة كبيرة من السكان تعيش على الهامش، ويحذر خبراء الاقتصاد من أن التوجه نحو تكدس الثروة بأيدي البعض سيجيء بمغبة خطرة لبلد يزخر بتفاوت هائل في المستوى الاقتصادي.

وفي سياق ذلك، بدأت الأحزاب السياسية تعد بتقديم إعانات مالية لأفقر العائلات.. ثمَّة تنافس فيما بينها لاستمالة الناخبين في الانتخابات البرلمانية الجارية، ولكن هل تستطيع هذه الإعانات القضاء على الفقر الذي يجب أن يتصدر أولويات واهتمامات الحكام في نيو دلهي؟