امتازت موريتانيا بنظام تعليمي فريد يُعرَف بـ«المحاضر»، وهي جامعات أهلية عريقة تُعْنَى بدراسة العلوم الشرعية واللغوية وغيرها، ويُمْكِن القول إنَّ موريتانيا هِبةُ التعليم الْمَحْضَري.

بدأت المحاضر برحلةِ أمير المرابطين يحيى بن إبراهيم الكُدالي إلى الحج وانتدابِه للفقيه عبد الله بن ياسين لتعليم قومه، ثُمَّ سار خَلَفُه على نهجه، فكانوا يَنتدبون العلماءَ لتعليم الناس، وازدهرت المحاضر في فترة امْتَدَّت من القرن الـثامن عشر الميلادي حتَّى مجيء الاستعمار في مطلع القرن العشرين، وكانت – ولا تزال – مركزَ إشعاع في دول كثيرة.

وعندما حَلَّ الْمُستعمِرُ بموريتانيا أدْرَكَ خُطُورةَ المحاضر في مقاومة نفوذه الثقافي فحاربَها.. يقول الحاكم الفرنسي لموريتانيا ليغريه C. Laigret: «إنَّ البيضان [العرب الموريتانيين] الذين أسلموا مُنذُ قرون، وكان لهم – وما زال – فقهاؤهم وعلماؤهم لا يمكن أن يَرَوْا حضارتنا بعين الإعجاب.. ثُمَّ إنَّ موريتانيا من البلاد التي تُمَثِّل الثقافةُ فيها قِمَّةَ المجد، وبِها توجد مدارسُ كثيرة ومَكْتَبَات تُمَثِّل شواهدَ حَيَّةً كَمَكْتَبَة شنقيط»؟ يمتاز التعليم المحضري الموريتاني بالعمق والمرونة والقدرة على التكيُّف مع جميع الظروف الاقتصادية والطبيعية الصعبة، فهو يَزْدَهِر في الْمُدن والبوادي، وينمو في الأوساط الفقيرة والغنية؛ خلافًا لنظرية ابن خلدون بهذا الشأن، وكانت مَحْضَرةُ «الكحلاء» في البادية مثالًا لذلك.

خرَّجَت المحاضرُ علماءَ لا نظيرَ لهم من أساتذة الجامعات الحديثة في الحفظ والإتقان والضَّبط، فَمَن مِنْ هؤلاءِ يُضاهِي في العلوم الشرعية واللغوية ابنَ متالي، والشيخ سيد المختار الكنتي، والشيخ سيديَّه الكبير وحفيده بابَه، ومنحض بابَه بن عبيد، والمختار بن بُونَه، ومحمد محمود بن التلاميد، ومحمد الأمين بن فال الخير، وسيدي محمد بن حبت، وحبيب الله بن الأمين بن الحاج، ومُنيرة بن حبيب الله، والحاج أبا بكر سي، وصالح بن عبد الوهاب، ومحمد الأمين الشنقيطي (آبَّه بن اخطور)، وبُدَّاه بن البصيري، ومحمد سالَم بن عدُّود، والحاج بن فَحْفُو، وعبد الله بن بَيَّه، وابَّاه بن عبد الله؟

ومِنْ هؤلاءِ العلماء مَن بَرَّزُوا في الطب إلى جانب العلوم الشرعية واللغوية، مثل: المصطفى بن أبي بكر (أوفى) الطبيب المعروف.

وتَخرَّج في المحاضر أيْضًا علماءُ غربيون كالشيخ عبد الله سراج الفرنسي، والشيخ حمزة يوسف الأمريكي، ولأهمية المحاضر أصدرت الحكومة الموريتانية مُؤخَّرًا مرسومًا يسمح لِخِرِّيجِيها من العلماء البارزين بالتدريس في الجامعات الحديثة.