في ساحات الاحتجاجات العربية ـ البعض يعتبرها ثورات ـ الممتدة في فضاء مساحات عربية وأفريقية واسعة تشمل السودان وليبيا والجزائر، هناك حالة عامة من الفوضى، بأشكالها مختلفة، لكن الجامع بينها واحد، هو الأمان، لجهة فقدانه كما في الحالة الليبية، أو محاولة تعميقه كما في الجزائر، أو استعادته كما هو الأمر في السودان.

وإذا كان الشعبان الجزائري والسوداني يتحركان من أجل تعميق الأمن أو استعادته في ظل وجود الدولة، فإن الشعب الليبي، يسعى لإقامة دولة من خلال جيشه الوطني، وعبرها يمكن عودة الأمان، ومع ذلك فإن الخلل القائم في الدول الثلاث على المستوى الشعبي، هو الخلط بين رفض سطوة وسيطرة ـ وأحيانا بطش ـ القوات الأمنية، وبين الأمان من حيث هو شعور جمعي ـ في هذه اللحظة التاريخية ـ قاهر للخوف، ومكسر للحواجز، وفاتح لنوافذ الأمل، ومتجه ـ بدون وعي ـ إلى فرض سلطة جديدة.. إنها سلطة العامة، التي تمكَّنت من تطويع النخب السياسية والثقافية، واعتقدت ـ وهما ـ أنها ستصنع التاريخ حين تواجه الأنظمة الحكم من خلال مواجهة الدولة.

لجهة التأسيس يمكن القول: إن الحكومات والأنظمة العربية القائمة هي التي جعلت الأمان نتاجاً للأجهزة الأمنية، ومع ذلك لم تتمكن من حماية شعوبها من الإرهاب، والتشتت، بل والتقسيم، كما لم تستطع حماية نفسها، والنتيجة اقتلاع الحكام من السلطة قهراً ـ هروباً وسجناً ومحاكمة وقتلاً ـ عندما ضاقت عليهم فضاءات صناعة القرار بما رحبت، أو حين ثار عليهم الأقربون، وحلت أمم منهم لتلعنهم، وتتحالف بشكل ظاهر أو خفي مع حركات الاحتجاج ولو إلى حين.

غير أن المشاهد التي نراها اليوم ـ تتفاعل معها الغالبية من الشعوب، وتساندها الدول الأجنبية، ويعتبرها البعض نصراً مؤزراً للشعوب ــ ستمضي بالشعوب إلى سنة الأولين لا محالة، ومثلما السلطة المطلقة مصيرها الفشل، فإن استبدالها بسلطة أوسع هي حكم الشعوب سيكون مصيره الانهيار الكلي للدولة، وهذه الأخيرة يمكن وجودها في ظل حكم ديكتاتوري، لكن لا يمكن استمراريتها عند غياب الأمان، لذلك فالخوف قائم من تعدد الزعماء، واعتقاد كل واحد من الشعب أن الحكم أصبح بأمره.. وجود أنظمة فاشلة أو ظالمة يؤدي إلى انهيار السلطة، أما وجود شعوب فاشلة فسيؤدي إلى غياب الدولة ورحيل الأمان بعيداً، فيحل الجوع إلى درجة المسغبة، وتنتصر جماعات الفساد الجديدة غير المنظمة، وما أكثرها في أوطاننا اليوم.