إن التاريخ الإنســاني أكبــر شاهد على الظلم الجسيم الذي تعرض له أصحاب الهمم، لقد جردتهم حضارات كثيرة من كل قيم الكرامة الإنسانيــة، حتى أن بعضها ـ طبقاً لنظرياته الواقعيــة والعقلانيــة والمنطقية والعلميــة ـ ذهب إلى عــــــدم جدوى وجودهم أساساً، وعلى خلفية ذللك تمّ عــــزلهم ورفضهم، وغلبت المصلحة على الواجب الأخلاقي، وهناك من اعتبر الموقف منهم مؤسساً علمياً على النحو الذي ذهبت إليه «النظريــة الدارونية» من خلال إصدارها حكماً بالإعــــدام علـــــى المعــاقين ـ أصحاب الهمم ـ لأن قانون الانتخــاب الطبيعي، بكل بساطه يعطي الحق في الحيــاة للأقويــاء.

صاحب الهمّة ـ المرفوض من حضارات سابقة كثيرة ـ ليس سبباً للتلوث وتفشــي الأمراض والفقر والحروب والتغييرات المناخيـــة ليُلقى في سجون الاحتقار والدونيـــة والاشمئزاز، وفي أحسن الحالات يكون أسيراً لنظرات الشفقة من الناس.

والواقع أن الإعــاقة ليست في أصحاب الهمم بقدر ما هي في المجتمع الذي يَدعي الكمال، ما يفند ما ذهب إليه الفيسلوف أفلاطون 427 ق. م -347 ق.م)، حين أصدر حكمه بضرورة تطهير المدينة الفاضلة من المعاقيــن ــ أصحاب الهمم ـ لأنهم يشكلون عبئًا اقتصادياًّ على الدولة، الأمر الذي يضعف الدولة.

وهناك معتقدات أخرى حول أصحاب الهمم، سجلها تاريخ أمم خلت، مثل: الرومان، الذي كانوا يرون: أن الإله قد كرم الإنسـان بالقـوة والجمال، ومن حَرَمَتْه الآلـهة منهما، فإنه لا يستحق العيش في هذه الحياة، وكذلك الحال بالنسبة للفراعنة، الذي قدسوا الجسد، بل إنهم ذهبوا إلى أبعد من ذلك، حين اعتقدوا أن الجسد بكل روعته وكماله وجماله يعتبر ناقصاً إذا لم يدمج إليــــه من صفات وخصائص بعض المخلوقات الأخرى، وبالتالي كل جسد لا تتوافر فيـــه صفات الكمال كان يتم اضطهاده، فأرسل الله عز وجل سيدنا موسى عليه السلام لينهي أسطورة فرعون، ويكشف أن القوة أو الضعف والكمال أو النقص مقومات لا علاقة لها بالجسد.

وفي العصور الوسطى، كانت الكنيسة تصدر أحكاماً بالسجن والتعذيب على المتخلفين عقلياً، وتتهمهم بالاتصال بالشياطين رغم الادعاء بـاتباع ما جاء به سيدنا عيسى عليه السلام، ومعجزاته في شفائــه للأكمه، وفاقد البصر، والأبرص، ذلك لأن هذه الفئــة كانت تُعزل وتضطهد فأراد عيسى عليه السلام من معالجة هذه الفئــة وخلق بيــئة تكون نواة لبداية الدمج بين أصحاب الهمم والمجتمــع وهذا الدمج غالباً ما يكون مرفوضــاً من المجتمع.