إنجاز علمي كبير يحتسب للعقل البشري، تمثّل في تمكن فريق من الباحثين من التقاط صورة للثقب الأسود في الفضاء، الذي يبعد عن الأرض مئات الملايين من السنوات الضوئية، والثقب الأسود في تفسيره الفيزيائي المعقد هو بقعة مظلمة في الكون تنتهي إليها النجوم، التي فقدت قدرتها على التوهج فتتغير تركيباتها حين تمر بالثقب الأسود، وسيؤثر هذا الاكتشاف في مجمل الدراسات الفلكية المقبلة، وعلى حركة الأقمار الصناعية والمركبات الفضائية.

العلم يمثل فصلاً رئيساً في قصة الإنسان على الأرض، فقد كانت الطبيعة والفلك نقطة التفاعل الأولى بين الإنسان والكون، ومنها طرح أسئلته الكونية الأولى عن حقيقة الخلق، لذلك ارتكزت الأساطير على تفسيرات كونية لحركة الطبيعة، فجعلت لكل مظهر من مظاهر الطبيعة آلهة تتحكم في المطر والفيضان والرياح والليل والنهار.

وصورت المعتقدات الشعبية مظاهر الطبيعة بأنها جواب إلهي على سلوك البشر، ففسرت الزلازل والفيضانات والخسوف والكسوف بكونها غضباً إلهياً، وفسرت المطر وإثمار المحاصيل بأنها دلائل على الرضا الإلهي، والطبيعة، في سالف العصور، كانت مكوناً ضاغطاً من مكونات الكون على الإنسان، ومتحكماً رئيساً بمصيره وسيرورة حياته، لذلك وضعت «الحداثة» أحد مبادئها الجوهرية التحكم في الطبيعة وتسخيرها لخدمة الإنسان.

وأولى صدامات التنوير في أوروبا كانت بين العلم وتفسيرات الكنيسة للكون. ففي القرن السادس عشر ظهر ما سمى «بالثورة الكوبرنيكوسية» على يد العالم البولندي نيكولاس كوبرنيكوس الذي كان، كذلك، راهبا في الكنيسة، وهو الذي اكتشف أن الأرض ليست مركز الكون كما في التفسيرات الكنسية، بل إن للأرض حركة مزدوجة حول نفسها وحول الشمس والقمر يدور حولها، والأرض والكواكب تدور حول الشمس.

وتتمثل خطورة الاكتشاف في أن التصورات الكنسية كانت تقوم على مركزية الإنسان في خلق الكون، وبالتالي مركزية الأرض في الفلك، ولإدراك (العالم/‏الراهب) بخطورة هذه النتيجة فقد قدم كتابه كتوصية لعلماء الفلك وليس كحقائق عليمة.

أما عالم الفلك الإيطالي غاليليو غاليلي، الذي عاش في القرن السابع عشر وأكمل دراسات كوبرنيكوس، وطور نتائجها فقد اتُّهم بالزندقة وأجبرته الكنيسة على الجثو على قدميه في المحكمة وتلاوة تراتيل البراءة من أفكاره وطلب المغفرة.

رحلة الإنسان مع العلم رحلة معقدة ومؤثرة في مسيرته على الأرض، ومعظم المنعطفات المركزية في حياة البشرية كانت نتيجة تحولات علمية هائلة غيرت مجرى السياسة والاقتصاد، وقلبت الأنظمة الفكرية والاجتماعية للبشر، والفرق هائل بين المجتمعات التي تعتد بالعقل وتتبع المنهج العلمي، والمجتمعات التي ما زالت تعتنق العقل الأسطوري.