إن غياب المعطيات الموضوعية لفهم وتفسير ما يجري في الجزائر والسودان يجعلنا لا نجازف بإطلاق أحكام غير دقيقة في الموضوع، ولكننا نسجل أن هذه الأحداث ليست شبيهة بما جرى في البلدان العربية الأخرى، التي شهدت ما يطلق عليه «الربيع العربي»، ولو أن البعض رأى فيها استكمالاً لهذا الدمار العربي في شمال أفريقيا.

يتحدد عدم الشبه في مسألتين، الأولى: تتمثل في وعي الشارع بعدم اللجوء إلى العنف، والثانية: يقظته ضد سعي قوى الإسلام السياسي للالتفاف على الحركات الاحتجاجية كما حدث في مصر وتونس والمغرب، لكن اللافت للانتباه هنا أن الجديد في هذه الاحتجاجات هو احتراز الدول الغربية من التدخل المباشر كما حدث في العراق وسوريا وليبيا واليمن، ومراجعتها لسياستها التقليدية التي كان يحكمها هاجس التموقع الجيو ـ استراتيجي وفق أيديولوجيا اليمين المحافظ.. فهل هذا يعني أن الغرب مجبر على تجديد منظوره الداخلي وآليات سيطرته على الدول العربية، وأن وعي الشارع بتدبير احتجاجه سلمياً استشعاراً منه بالنتائج الكارثية للعنف كان سبباً لدفع الغرب لهذه المراجعة؟.

يجد الغرب اليوم نفسه في حيرة «نظرية سياسية» أمام خيار التأقلم مع الشارع العربي للتحكم فيه، وذلك إما بخيار دعم نخب سياسية وعسكرية ذات مصداقية وقابلة لرعاية مصالحه، وإما خيار صناعة مبتكرة لنخب موالية مع الاستثمار فيها من داخل مجتمعاتها بعد اقتناصها في سياق ما يطلق عليه أنه جيل جديد من السياسيين العرب.. مصدر هذه الحيرة هو تطور وعي الشارع العربي واستباقه إلى المبادرة في تنظيم المظاهرات والمطالبة بإقالة قياداته، وإقرار الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

لقد كانت المبادرات في السابق من تخطيط الغرب يتحكم فيها بإرادته الخاصة، وبالقدر الذي استعمل فيه أدوات التواصل الاجتماعي في إشعال فتيل ما يطلق عليه الربيع العربي تحولت هذه الوسائل إلى مجال لمنافسته من طرف الشارع، بوعي مختلف ينشد الاستقرار ويعمل على تفادي ويلات تفتت الدول كما وقع في المجتمعات العربية التي ضربها «الربيع»، ومن هنا تأتي اليوم حيرة الغرب وقلقه أمام استكمال دورة وعي المجتمعات العربية، وتفاقم حجم التحديات التي تتربص بمصالحه.

لقد كان حدث تجاوب الجيش والشرطة مع المحتجين في السودان والحضور القوي للمرأة في المظاهرات مؤشراً بليغاً على توقد هذا الوعي وممارسته لممانعة الانقياد السهل لسياسة الغرب التقليدية في توجيه الشعوب والسيطرة عليها، كما أن استمرار الحراك في الجزائر بالرغم من تنحي بوتفليقة عن الحكم والمطالبة بإسقاط الحرس القديم ضماناً لانتخابات حرة نزيهة صورة أخرى لهذه الممانعة ولوعي جديد ليس بوعي ما سُمّي «الربيع العربي»، لكن في ظل غياب المعطيات الدقيقة للاقتراب من الحقيقة فإن دور النخب في تحصين وعي الشارع وتقوية يقظته وممانعته يظل رهاناً تاريخياً بامتياز.