«أنا لم أخسر» بهذا يُنهي بطل قصة «الرهان» لتشيخوف رسالته التي تركها في السجن الذي قضى فيه سنوات طويلة طواعية.

يتحدث تشيخوف في قصته القصيرة عن رهانٍ بين محامٍ ورجل أعمال احتد النقاش بينهما عن عقوبة السجن المؤبد مقابل عقوبة الإعدام.

تمسك كل منهما برأيه، حين أصر رجل الأعمال على أن عقوبة الإعدام أكثر رحمة من السجن المؤبد، فوصل بهما الجدال إلى الرهان على أن يُسجن المحامي في قبو قصر رجل الأعمال وألا يخرج طوال خمسة عشر عاماً مقابل مليوني روبيل. يُسجن المحامي بالفعل في القبو وتمر الأيام عليه ثقيلة وصعبة دون أنيس حتى ضوء الشمس. لا شيء سوى الكتب. تموت أمه في غيابه وتُفوت عليه أجمل وأغلى سنوات حياته. لم يكن يفعل شيئاً في سجنه سوى القراءة. هنا تأتي المفارقة. فقبل انتهاء موعد الرهان بيوم واحد فقط يخرج المحامي طواعية من القبو، إذ ترك رجل الأعمال الباب مفتوحًا له عله يساعده في كسر الرهان ولا يخسر هو ماله.

في رسالته الأخيرة، يخبر رجل الأعمال أنه عرف نفسه وعرف الله وسافر عبر التاريخ والبلدان وأجاد الكثير من اللغات من خلال القراءة والكتب فقط. وأن الكتب غيرته، فأصبح ذلك المخلوق الروحي الذي يرى الحياة من زاوية اكتفاء مختلفة.

أعلم الكثيرين ممن يعيش سجناً رغم وجوده بيننا طليقاً. سجن من مخاوفه أو أفكاره أو سلطات للآخرين يمنحهم إياها على نفسه أو من الذكريات والأقسى، سجن الجهل. وجدت الكتاب داعماً وسنداً وشفاء في فترات كثيرة صعبة من حياتي، وأعلم أن كثيرين حولي يشكل الكتاب لهم حياة فوق حياتهم وطوقاً للنجاة ووسيلة للبقاء والمواصلة، لكن أن يكون كافياً بالقدر الذي نجده في قصة الرهان، أن يُغني عن أي شيء آخر سواه، فهي مسألة أخرى تحتاج في حد ذاتها إلى رهان.