عاد «جوليان أسانج»، صاحب موقع ويكيلكس، لصدارة المشهد الإعلامي العالمي بعد إلقاء القبض عليه مؤخراً، من داخل سفارة الإكوادور في لندن، حيث أعلنت الشرطة البريطانية أن اعتقاله يأتي، جزئياً، بناء على مذكرة ترحيل تقدمت بها السلطات الأمريكية، على خلفية اتهامات موجهة له بالتآمر لاقتحام وخرق جهاز كمبيوتر للحكومة الأمريكية يحتوي على معلومات سرية، وتسريب نحو 750 ألف وثيقة، ما يجعله يواجه تهماً قد تصل عقوبتها للسجن من 5 إلى 45 عاماً، علماً أن الإدارة الأمريكية تراجعت عن اتهامه بالتجسس، الذي تصل عقوبته إلى الإعدام، ما كان سيدفع بريطانيا لرفض ترحيله.. فهل أسانج بطل أم لص معلومات؟ وهل يعاقب على كشفه للانتهاكات، أم يحظى بالحماية، التي يكفلها التعديل الأول للدستور الأمريكي، باعتباره صحافياً دافعه الصالح العام؟ الوقت لا يزال مبكراً لمعرفة في أي اتجاه ستسير الأمور، لكن الأكيد أن مسؤولين أمريكيين يعتمدون على أن الدستور، في نظرهم، يتعلق فقط بحماية الصحافيين الأمريكيين خلال ممارستهم لعملهم داخل أمريكا، وبالتالي فهم يرون أن تلك الحماية لا ينبغي أن تطال أي صحافي أجنبي، إلا أن هناك حالة «كريستوفر ستيل»، ضابط مخابرات بريطاني يعيش في إنجلترا، صدر لصالحه حكم قضائي أمريكي، يوفر له حق الحماية، لأنه فيما نشره بشأن اتصالات سرية بين أطراف روسية، وحملة المرشح الرئاسي ترامب، كان دافعه فيها تحقيق المصلحة العامة.

وفي حالة أسانج، فإن الأمر يتعلق بمواطن أسترالي يعيش في بريطانيا، وسيدفع محاميه باتجاه البناء على سابقة حكم ستيل، مع تقديمه باعتباره صحافياً غير أمريكي، لم يعش في أمريكا، لكنه استهدف الصالح العام بكشفه لجرائم اقترفتها الدولة الأمريكية، وبالتالي يجب أن يلقى نفس المعاملة التي حظي بها ستيل، وأيضاً، كيف تستقيم مقاضاة أسانج بينما لم تتم مقاضاة المسؤولين بصحيفة «واشنطن بوست» أو «نيويورك تايمز» عندما نشروا تسريبات البنتاغون المتعلقة بحرب فيتنام أو بفضيحة واترغيت؟ الاعتبارات تتداخل والأمور القانونية معقدة، ولا شك أن الكثير من الحكومات والشركات والمسؤولين الذين تتم أعمالهم غير المشروعة تحت ساتر من السرية وعدم الشفافية، يرغبون في النيل من أسانج ومن هم على شاكلته، لكن لا بد من الاعتراف بأن استهدافه يضرب حرية الصحافة في مقتل، ويوجه رسالة تهديد لكل الإعلاميين في العالم.