من مشارق الأرض إلى مغاربها انهالت على فرنسا موجة تعاطف غير مسبوق بسبب الحريق الذي التهم جزءا من احدى أغلى معالمها التاريخية والدينية، «كاتدرائية باريس نوتر دام»، التي تتبوأ على عرش فرنسا السياسي والديني والمعنوي منذ تسعة قرون.

معلمة تاريخية شاهدة على العصور الذهبية والمأساوية التي عاشتها فرنسا، وقد جمعت في وقت من الأوقات بين ملوكها التواقين الى بسط نفوذهم السياسي، وكنيسة تريد الحفاظ على مكاسبها، وشعب يسعى لتوسيع دائرة حقوقه السياسة والاجتماعية، واستمرت بعد ذلك في تجسيد هذه العلاقة الثمينة بين مختلف الفاعلين المكونين للهوية الفرنسية.

الصدمة التي انتابت الفرنسيين وحرقت أفئدتهم ـ وهم ينظرون إلى ألسنة النار تلتهم جزءاً من تاريخهم الحضاري والديني ــ طالت أيضا المجموعة الدولية بديانات مختلفة من مسلمين، ومسيحيين ويهود.

لقد شعر الجميع بهول الطَّامة التي تعرضت لها فرنسا، وتولَّد عن ذلك شعور عالمي بأن الخسارة نالت من التراث الإنساني، وخير دليل على عولمة هده الصدمة ان صور الكاتدرائية الباريسية وهي تحتضر تحت وطأة النيران المستعرة تصدرت قنوات التلفزة العالمية بكل مشاربها، كما انهالت التعازي ورسائل التضامن مع الشعب الفرنسي المكلوم.

في غضون ذلك طرحت فكرة إنشاء صندوق دولي للمساهمة في عملية الترميم وإعادة البناء، وتأكيدا لهول هذه الأزمة، تشير المعطيات إلى أن الصندوق الفرنسي والدولي المخصص لهذه العملية سيحطم كل الأرقام القياسية.

الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ــ الذي تلقى هذه الفاجعة وهو يحاول إطفاء لهيب حريق اخر أشعلته على الجبهة الاجتماعية حركة السترات الصفراء منذ ثلاثة عشرين أسبوعا ـ وجد نفسه في عين عاصفة جديدة، وأرغم على تغيير أجندته السياسية، التي كان من المفترض أن يميط اللثام من خلالها على الحلول التي يقترحها، وبدهاء سياسي مع مزيج من العفوية واستغلال ذكي للحظة مأساوية، اتّخذ الرئيس ماكرون عدة مواقف، هدفها الآني: معالجة تحديات الحريق، لكن أبعادها الخفية محاولة تعبئة هذه الظرفية، التي أظهرت اجماعاً فرنسيًّا مقدَّساً، بغية الحصول على مصالحة وطنية بعد مشاهد الدمار والخراب والقطيعة، التي عاشتها شوارع مدن فرنسا منذ أشهر طويلة.

استراتيجية ماكرون مبنية على فكرة مناشدة عقلية التشييد والبناء التي يتميز بها الفرنسي عبر تاريخه، لكي ينخرط اليوم في نهوض وطني يعيد لكاتدرائية رونقها المفقود وللحمة الوطنية روابطها المتينة.