في الوقت الذي نحتفي بالمشاريع الريادية الناجحة، ويزداد التركيز على تشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة لأهميتها في الاقتصاد، فإن الإحصاءات محلياً وعالمياً تشير إلى أن نسبة كبيرة تقع في شراك التعثر، بحيث تصل نسبة الشركات الناشئة التي تخرج من السوق في السنة الأولى إلى 50 في المئة محلياً.

وأرجع البرنامج الوطني للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، التابع لوزارة الاقتصاد، تعثر رائد الأعمال أو أصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة لأسباب متعددة يرتبط الكثير منها بالبدايات ومرحلة الانطلاق في العام الأول.

من جهته، قال مدير البرنامج الوطني للمشاريع والمنشآت الصغيرة والمتوسطة الدكتور أديب العفيفي إن نسبة الشركات الصغيرة والمتوسطة المسجلة بلغت 98 في المئة من إجمالي عدد الشركات المسجلة في الدولة، حيث تشكل مجالات التجارة والخدمات 89 في المئة منها ليسهم بذلك هذا القطاع بحصة قدرها 49 في المئة من إجمالي الناتج المحلي غير النفطي للدولة، وهو ما يعد مؤشراً إيجابياً على نجاح الإمارات في استقطاب الاستثمارات.

ووصف العفيفي الانطلاقة الأولى لرائد الأعمال أو أصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة بالمهمة جداً، لكنه رأى أن أسباب التعثر عدة، منها: عدم دراية رائد الأعمال بمتطلبات السوق، وغياب الخطة الشاملة التي تعالج تلك المتطلبات، ما يجعل رواد الأعمال يصطدمون بواقع مختلف.

وأوضح العفيفي أن ضعف الخطة التسويقية للمنتجات أو الخدمات التي تقدمها الشركة الناشئة سبباً آخر للفشل، فغالباً ما يفشل رواد الأعمال الجدد في تسويق منتجاتهم للجمهور المستهدف لعدم استخدامهم للقنوات التسويقية المناسبة، مثل عدم الدراية بقدرة وسائل التواصل الاجتماعي في تحقيق الأهداف المرجوة.

وطالب العفيفي أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة باختيار الطرق الحديثة والسهلة وقليلة التكلفة لإيصال منتجاتهم وخدماتهم إلى الجمهور المستهدف.

وقال إن عدم التفرغ من أهم العوامل المؤثرة في تحديد مسار الشركات الصغيرة والمتوسطة، فأغلبية رواد الأعمال الذين يفشلون في تجربتهم لا يمنحون المشروع الوقت الكافي لإنجاحه، لافتاً إلى أن نسبة كبيرة من أصحاب المشاريع موظفون في جهات حكومية أو خاصة ويعتمدون على أفراد آخرين في إدارة أعمالهم.

ودعا العفيفي رواد الأعمال إلى الاستفادة من فرص التدريب والمشاركة في ورش العمل والدورات التدريبية التي تنظمها مختلف حاضنات الأعمال للاستفادة من خبرات الآخرين.

ردم الفجوة

وقال المستشار الاقتصادي في دائرة التنمية الاقتصادية برأس الخيمة، عبدالحليم محيسن، إن 50 في المئة من المشاريع الصغيرة والمتوسطة الجديدة تفشل في عامها الأول، وأكثر من 90 في المئة منها يخرج من السوق بعد نحو أربع سنوات، لأسباب تعود للإدارة العامة للمشروع.

وأوضح أن فشل المشاريع في بدايتها يرجع لعدم وجود الخبرة الكافية في مجال العمل، مشدداً على ضرورة ردم الفجوة بين الخبرة والعمل من خلال الاستثمار في المجالات التي تتناسب مع نوع الاختصاص التعليمي للفرد المستثمر، أو المواهب والهوايات. وأضاف أن ارتباط الفرد بالفكرة أمر مهم لولادة ناجحة للمشروع.

ورأى أن فشل المشاريع يبدأ بغياب دراسة جدوى علمية تستند إلى بيانات واقعية وخطة عمل مدروسة على جميع المستويات، أبرزها الإدارية على أساس مدة زمنية محددة، لافتاً إلى أنه من المهم لأي مستثمر جديد أن يقف على جميع البيانات أثناء عمل دراسة جدوى المشروع وزيارة الأسواق، والاطلاع على المشاريع المماثلة ومنتجاتها، وتجربة السوق بشكل شخصي بهدف بناء خلفية واضحة عن تنافسية السوق، الأمر الذي يمكنه من بناء أفكار إبداعية جديدة.

وأضاف محيسن أن تعثر المشروع يأتي من الفشل الإداري على جميع المستويات مثل إدارة أعمال المشروع وإدارة التدفقات النقدية من واردات ومصروفات مالية، وإدارة عمليات التسويق للمنتج، موضحاً أن التسويق للمنتج أو الخدمة من أبرز عوامل نجاح المشاريع، لأن طبيعة المنتج وجودته تلعبان دوراً محورياً في جذب المتسوقين ونجاح المشروع.

ولفت إلى أن التفكير في المشاريع التقليدية يخلق حالة من الروتين في الأسواق، الأمر الذي يمكن أن يشكل صعوبة في الترويج للمنتج مقابل عشرات المنتجات المماثلة، داعياً المستثمر إلى التركيز على الابتكار والإبداع بما هو جديد على المنتج التقليدي، لأنها الوسيلة الأفضل في نجاح المشاريع التقليدية.

أضعف أنواع المنافسة

ورأى المستشار المالي والمختص في الاستراتيجيات المالية، عبدالله العوضي، أن المنافسة على السعر من أسوأ وأضعف أنواع المنافسة السوقية، معتبراً التنافس على جودة الخدمة أو المنتج من أهم عوامل نجاح رواد الأعمال.

وأشار إلى أن فشل مشاريع رواد الأعمال الجدد تنحصر في عدم تنفيذ دراسة جدوى اقتصادية دقيقة وعلمية للمشروع من حيث وضع السوق تجاه المنتج أو الخدمة، وحجم التكاليف، وحالة المنتج في الأسواق، والسيولة المالية وكيفية إدارتها.

ونوه بأن ضعف الثقافة المالية لرواد الأعمال تتسبب بفشل المشروع خلال فترة زمنية قصيرة، حيث إن عدم المقدرة على تنظيم التدفقات المالية، والتداخل بين المخصصات المالية الشخصية ومخصصات المشروع يمكن أن توقع صاحب المشروع في تعقيدات مالية تؤثر سلباً في المشروع.

وتعتقد استشارية المشاريع ومدربة رواد الأعمال في مؤسسة «رواد» في الشارقة، رانيا البستكي، أن أغلب المشاريع التي ينفذها الشباب لا تشكل إضافة حقيقية للسوق المحلي، بسبب اتكال الرواد على أفكار الآخرين وتحديداً أقرانهم، لذلك ظهرت طفرة المشاريع المكررة.

وقالت البستكي إن راود الأعمال المنتسبين للمؤسسات التي تدعم المشاريع أكثر عرضة للإخفاق والتعثر مقارنة بأولئك الذين يعتمدون على أنفسهم بسبب التسهيلات المالية التي تمنح لهم، بخلاف رائد الأعمال الذي يتحمل مسؤولية الحصول على القرض البنكي، فيُجبر على العمل بجدية بعيداً على الاتكالية لتحقيق الأرباح وتسديد الديون، وأحياناً تختفي الحدود بين التحفيز والتدليل المفرط، ما يجعلهم ينسحبون من السوق عند مواجهة أي عقبات.

نماذج شبابية

وأفاد صاحب سبيس كافيه في رأس الخيمة، محمد الشحي، بأن نجاح مشروعه جاء بعد عمل دراسة جدوى اقتصادية دقيقة وعلمية استغرقت نحو ستة أشهر متواصلة، وقف خلالها على جميع بيانات السوق في مجال صناعة القهوة المتخصصة، وتكاليف المشروع، ومتطلبات تنفيذ الأفكار لإطلاق مشروع جديد في رأس الخيمة.

وأوضح الشحي أن الإدارة المباشرة للمشروع من أهم سبل النجاح التي وضعته على طريق ريادة الأعمال، مشيراً إلى أنه ركز على جودة المنتج والخدمة، مستخدماً أسلوباً جديداً في صناعة القهوة.

من جانبها، قالت صاحبة مشروع أنستا فلور لبيع الزهور والهدايا، بسمة عبدالله، إنها دخلت هذا المجال حديثاً، وسط سوق تنافسي قوي وصعب، لكثرة العاملين في هذا النوع من الاستثمارات.

واعتمدت بسمة في البداية على دراسة السوق بشكل دقيق، ووضعت خطة استثمارية على فترة زمنية محددة، مشيرة إلى أنها اعتمدت على الإبداع والابتكار في تجارة الزهور، من خلال تجهيز قوالب ورفوف خشبية في مصانع بتكلفة أقل من الأسواق.

واعتبرت الإشراف المباشر على إدارة الأعمال من أهم عوامل نجاح المشروع، وأن الإدارة المالية من ناحية الفصل الكلي بين التدفقات المالية للمشروع والشخصية مهمة جداً للاستمرار في ريادة الأعمال والتطوير، إضافة إلى جودة المنتج والخدمة.

وقال مدير مشروع تدبير لتوريد العمالة، عبدالله المزروعي، إن عدم التخطيط الجيد للمشروع ووضع تصور واضح للأسواق التي سيعمل بها وقدرته على تسويق منتجاته يعد العامل الأساسي في توقف المشروع في سنواته الأولى، حيث لا يستطيع صاحب المشروع تحقيق عوائد تحقق النسبة المتوازنة لتغطية التكلفة التي تختلف من مشروع إلى آخر، بحسب قيمة رأس المال ومصروفات التشغيل.

ويرى مدير مشروع بروفالو للمطاعم، سالم حمدان، أن أهم العوامل هو اتباع الأسلوب الأمثل لتدوير السيولة، فمعظم المشاريع تحتاج لخبرة أولية، سواء مباشرة من جانب صاحب المشروع في الإدارة المحاسبية، أو للتشغيل والموارد المالية وميزانيات الإنفاق أو الاستعانة بمختص لوضع الهيكل المالي اللازم، خصوصاً في ظل وجود التزامات مالية.

التغلب على الفشل

أظهرت إحصاءات إدارة الأعمال الصغيرة في الولايات المتحدة الأمريكية أن نحو خُمس الشركات الناشئة تفشل في سنتها الأولى، ونحو نصف الشركات في غضون خمس سنوات، بينما يستمر ثُلث الشركات فقط لأكثر من عشر سنوات.

وأشارت «إس بي إيه» إلى أن معظم الشركات الصغيرة التي تمنى بالفشل ترتكب أخطاء مماثلة، وعددت سبعة أسباب للفشل، وبتجاوزها يخطو المشروع على طريق النجاح.

أسباب خاطئة

غالباً ما يرتبط سبب فشل العمل بالسبب الذي يدفع صاحب العمل إلى بدء نشاطه التجاري، هل يكون ذلك لرغبته في كسب الكثير من المال، أم لأنه يرغب في قضاء المزيد من الوقت مع عائلته وأصدقائه؟ ففي حين أن هذه فوائد يحققها بعض رواد الأعمال الناجحين بعد سنوات من العمل الشاق، إلا أنها ليست أسباباً لبدء مشروع تجاري، وهنا لا بد من أن يحدد رائد الأعمال هدفه قبل بدء المشروع.

سوء الإدارة

يعتبر سوء الإدارة السبب الأول للفشل، إذ غالباً ما يفتقر أصحاب الأعمال الجدد إلى الخبرة التجارية والإدارية ذات الصلة بمجالات مثل التمويل والشراء والبيع والإنتاج وإدارة الموظفين، وعليه يجب الحرص على الاستفادة من الدورات التدريبية وخبرات الآخرين.

رأس المال

يعتبر عدم وجود أموال تشغيلية كافية من الأخطاء الشائعة للعديد من الشركات الفاشلة، فغالباً ما يقلل أصحاب الأعمال الجدد من حجم الأموال التي سيحتاجون إليها لبدء النشاط التجاري، ونتيجة لذلك يضطرون لإغلاق مشروعهم قبل أن تتاح لهم فرصة عادلة لتحقيق النجاح، نتيجة لتوقعاتهم غير الواقعية في تحقيق الإيرادات، وهنا تجب دراسة جدوى للمشروع وتحديد مصادر التمويل للحفاظ على التدفقات النقدية.

المكان الخاطئ

لا شك في أن الموقع أمر حاسم لنجاح معظم الشركات الصغيرة، فإذا كان النشاط التجاري يتطلب حركة مرور كبيرة، أو مكاناً مناسباً للقاء العملاء، فمن الضروري اختيار موقع جيد في المجتمع المناسب، إذ يمكن أن يؤدي الموقع السيئ إلى حدوث كارثة حتى للمؤسسات الأفضل إدارة.

عدم التخطيط الجيد

نجاح أي مشروع يرتبط بالتخطيط الدقيق والمنهجي والاستراتيجي.

التوسع غير المدروس

عندما يخلط أصحاب الأعمال بين النجاح والسرعة في توسيع الأعمال، بعيداً عن التركيز الجيد للتوسع، فغالباً ما يؤدي ذلك إلى الإفلاس، وبالتالي فشل المشروع نتيجة التوسع السريع، وعليه يجب إعداد دراسات التوسع قبل إطلاقها.

الموقع الإلكتروني

يجب على رائد الأعمال الاستفادة القصوى من وجود وسائل التواصل الاجتماعي، والاهتمام بتأسيس موقع إلكتروني جيد لمشروعه، فهذا يضمن له الانتشار الواسع والترويج الجيد لمشروعه.أديب العفيفي: استفادة رواد الأعمال من فرص التدريب أهم أسباب النجاحنجيب الشامسي: العشوائية أبرز عوامل الفشل .. والدعم الحكومي ضرورةأرجع الرئيس التنفيذي لـمؤسسة محمد بن راشد لتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة، عبدالباسط الجناحي، أسباب فشل المشاريع الصغيرة والمتوسطة في عامها الأول إلى غياب الخبرة وغياب دراسة الجدوى عن حالة السوق، وكذلك عدم تفرغ الشباب لمشاريعهم. وقال الجناحي إن استعجال رواد الأعمال في اتخاذ القرارات من دون دراسة أسهم في تكبدهم خسائر كبيرة. وأوضح أن نحو 85 في المئة من رواد الأعمال يحتفظون بوظائفهم ولا يتفرغون كلياً لإدارة أعمالهم التي تترك للعمالة الأجنبية، وهذا من أهم عوامل فشل رواد الأعمال.عدم التفرغ