في قاعدة «أندروز الجوية» خريف 2014 التقط الصحفيون صورة لوزير الخارجية الأمريكي جون كيري، وهو يحمل كيساً من البلاستيك يحوي بعض المأكولات، وأما حقيبته الحمراء الشهيرة فقد كانت ثابتة في اليد الأخرى.

نالتْ الحقيبة البلاستيكية الكثير من التعليقات الساخرة، لكن الحقيبة الحمراء عادت إلى الأضواء أثناء زيارة جون كيري الشهيرة إلى موسكو ربيع 2016.

كان الرئيس فلاديمير بوتين هو من أضاء على الحقيبة.. قال بوتين للوزير الأمريكي: «لقد حزنت لأنك تحمل الحقيبة بنفسك، هذا أمر ديمقراطي، ولكن لماذا لا يوجد من يستطيع مساعدة وزير الخارجية على حمل حقيبته، مع أن الوضع الاقتصادي يبدو عندكم جيداً».. حين سئل جون كيري عمّا في حقيبته قال: «هذه أسرار ستظل بيني وبين الرئيس بوتين».

مضتْ سنوات.. ثم بدأ الدبلوماسي المخضرم في عرض جوانب عديدة من هذه الأسرار.. أصدر جون كيري كتاباً بعنوان «Every day is extra - كل يوم إضافة»، وقد شهد معرض أبوظبي الدولي للكتاب 2019 توقيع كيري لكتابه وحديثه عن بعض ما يحتوي عليه.

يتحدث كيري عن «اللامبالاة» في السياسة الدولية، وكيف أن أكبر قرارات واشنطن كانت تجري صناعتها من دون المعرفة الكافية.. يقف جون كيري ضد غزو العراق، ويصف مأساة حلّ الجيش بعد الغزو قائلًا: «جاء بول بريمر بلا خبرة.. تم تفكيك الجيش العراقي وهو الوحيد القادر على إعادة ضبط الوضع في البلد.. أمريكا تصرَّفت في العراق وهي لا تفهم التاريخ ولا الثقافة ولا التركيب المجتمعي».

إنها شهادة صادمة، وهى بالنسبة لنا في العالم العربي لا تحمل جديداً، لكن صدورها عن سياسي كبير بوزن كيري يضاعف من الصدمة، إذْ لم تدرس الإدارة الأمريكية العراق على أي مستوى، وحين عيّنت شخصاً لإدارتها كان شخصاً محدوداً بلا خبرة، كل ما فعله هو أنه نقل السلطة من صدام حسين إلى خامنئي، ومن حزب البعث إلى إيران.

تتواصل الصدمة في سوريا، كان يمكن إبقاء النفوذ الإيراني عند حدود العراق.. لكن السياسة الأمريكية قد أدّت في نهاية المطاف إلى توسيع نفوذ طهران إلى سوريا، وما بعد سوريا.. يقول كيري: «قابلتُ بشار الأسد خمس أو ست مرات.. كنّا قلقين بشأن تدفق الأسلحة من إيران إلى لبنان، وكان بشار مستعداً لإبرام اتفاق، ثم حدثت التظاهرات..» إن شهادة كيري تعني أن بشار الأسد كان موافقاً على تفاهمات أمريكية بشأن الوجود الإيراني في لبنان، وأنه يمكن إنجاز هذا الهدف، ومن ثم منع سيناريو الانهيار الذي جرى في سوريا.. لقد خرجت سوريا من التاريخ وكان يمكن ألّا تخرج.

الرسالة الأساسية لحديث كيري في أبوظبي أن السياسة الدولية في خطر بسبب أن كثيراً من السياسات الكبرى بلا عقل.

وإذا كان كتاب كيري يحمل عنوان «كل يوم إضافة» فلقد كانت هذه الإضافة تخص حياته وسيرته.. أما في العالم العربي ففي كل يوم محنة جديدة، أو إضافة في الدمّ والحزن.