هل دخلت طهران مرحلة انعدام الوزن واختلال دفة القيادة في يد الملالي، بعد أربعة عقود من نشر الفوضى غير المسبوقة في الإقليم بداية وحول العالم ثانية؟

يبدو أن ذلك كذلك قولاً وفعلاً، لا سيما في ظل توجهات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقراراته الأخيرة التي أنهى فيها الإعفاءات التي كانت ممنوحة لنحو ثماني دول بشأن استيرادها النفط من طهران مع أوائل مايو المقبل.

على الخلاف من سلفه باراك أوباما، الرجل الذي قدم للأصولية الإيرانية ولجماعات الإسلام السياسي خدمات كارثية، يجيئ ترامب محاولاً كتابة اسمه في سجل القياصرة الأمريكيين، أولئك الذين أخذوا عهداً على أنفسهم تجاه إنهاء أسطوة ثورة غير محمودة، وفّرت فرصاً غير مسبوقة من الإرهاب وزعزعة الاستقرار تجاه جيرانها بنوع خاص.

لعل الكارثة التي أحدثها قرار ترامب الأخير تتصل بمسارين اثنين كفيلين بإحداث شروخ جوهرية في بنية وهيكلية النظام الإيراني جملة وتفصيلاً .. المسار الأول: هو أنها تقطع الحبل السري الإيراني الموصول مع وكلائها من الميليشيات الإرهابية المسلحة التي عاثت فساداً رهيباً في الشرق الأوسط، من حزب الله في لبنان، إلى الحوثيين في اليمن، مروراً بالحشد الشعبي في العراق، ووصولاً إلى آخر محاولات إذكاء الفتنة في البحر الأبيض المتوسط، عبر التدخل في الملف الليبي المشتعل، والدليل على ذلك السفينة المحملة بالأسلحة الإيرانية التي تم ضبطها قبل أن تدخل ميناء مصراتة، لتصب المزيد من الزيت على نيران الحرب الدائرة هناك، بدعمها الإرهابيين والأصوليين الذين يقاومون الجيش الليبي الساعي للخلاص منهم.

المسار الثاني: يتمثل في تعميق الصراع الدائر في الداخل الإيراني، ذلك أنه من الصعب بمكان أن نصدق أن الإيرانيين كلهم يدعمون التوجهات الأصولية المقيتة للملالي، والدليل ما أظهره الشارع الإيراني قبل أشهر حين خرجت التظاهرات منادية بسقوط النظام، وبالكفر بكل الشعارات الفاقعة التي صدحت بها الأصوات الرسمية الزاعقة طوال 40 سنة، كالقول بتحرير فلسطين واستنقاذ القدس من براثن المحتل، وتصدير الثورة إلى بقية دول المنطقة.

الشروخ في جدار النظام الإيراني باتت جلية للعيان، ومنها الموقف من مضيق هرمز، ذلك أنه ومباشرة بعد قرارات ترامب الأخيرة، ألمح قائد الحرس الثوري الإيراني الجديد حسين سلامي، رجل غابة الصواريخ والأكثر أدلجة في صفوف رفاقه، إلى أن إيران سوف تغلق المضيق أمام الملاحة الدولية، حال توقف تصدير النفط الإيراني بالكامل إلى الخارج.

لكن من بعده مباشرة خرج وزير الخارجية جواد ظريف، بتصريح مغاير أشار فيه إلى أنه من مصلحة الأمن القومي الإيراني الإبقاء على المضيق مفتوحاً، في تناقض، بل وتضارب واضح جداً مع توجهات سلامي.

السؤال الآن .. هل نحن أمام لعبة تقسيم أدوار بين أركان النظام في الداخل؟

قد لا تبدو الإجابة واضحة الآن، لكن بكل تأكيد هناك عطب وشروخ داخلية بدأت تضرب، حتى وإن لم يكن هناك حمائم وصقور، فعلى الأقل هناك من يدرك الفخ الأكبر الذي ينتظر الإيرانيين .. ماذا عن ذلك؟ الجواب يعود بنا إلى مبدأ «ميزان الانتباه» العسكري، أي تقدير قدرات المرء، والنظر إلى إمكانات العدو، ومن هنا فإن بعض العقلاء حتى وإن خف صوتهم ينصحون الملالي بتجنب خيار المواجهة، فيما المؤدلجون يسعون إلى القارعة.

الخلاصة .. البيت الذي ينقسم على ذاته لا يثبت، والمملكة التي تنقسم على ذاتها تخرب.