إن النشاطات الإبداعية التي تقدمها المجتمعات عبر إنتاجاتها المتعددة تكشف عن قدرتها على مواجهة تلك التغيرات والتطورات التي تشهدها؛ إذ يمكنها عبر التعددية الثقافية والإفادة من المكتشفات والانفتاح على عوالم المجتمعات الأخرى أن تجعل لنفسها مكانة حضارية، ولا يتأتَّى ذلك إلا عبر قدرة تلك المجتمعات على إبراز نتاجاتها المختلفة، والتعريف بمبدعيها في العالم.

ولأن النتاجات الإبداعية تكشف عن الرهانات والظواهر التاريخية لثقافة المجتمعات، فإنها تؤسس لعلاقات حضارية مع الآخر، ولهذا فإن تلك النتاجات التي يبدعها كُتابنا في منطقة الخليج العربي تنقل عبر طياتها مجموعة من الأزمنة الحضارية التي مرت على المنطقة، وتلك المتغيرات المتلاحقة التي طرأت على المجتمعات؛ ولهذا فإن النصوص الأدبية بوصفها واحدة من تلك النتاجات تعتمد على تلك المنطلقات في ترسيخ دورها الحضاري في تاريخ الثقافة.

ولهذا فإننا عندما نتحدث عن النصوص الأدبية ودورها الحضاري، فإننا لا بد من أن نتحدث عن واقع الاهتمام بهذه النصوص في دول الخليج العربي، فعلى الرغم من وجود كُتاب لهم نتاجات أدبية مهمة، واهتمام كبير من هذه الدول بتأسيس جوائز عربية وعالمية لهذه النتاجات الأدبية، إلا أننا لا نشهد حضوراً واضحاً لهذه النصوص عالمياً أو حتى عربياً، ولعل ذلك مرده إلى أسباب كثيرة لا مجال لذكرها كلها، لأننا سنتحدث فقط عن الترجمة بوصفها أحد الأسباب الرئيسة؛ ذلك لأن تلك النصوص لن تجد لها متنفساً في العالم ما لم تتم ترجمتها ترجمة متخصصة، تضعها في المكان الذي تستحقه.

فالترجمة بلغات العالم هي السبيل إلى تسويق النتاجات الإبداعية والتعريف بالتاريخ الحضاري لدولنا في الخليج العربي، وهي التي تجعل العالم يقرأ لنا ويعرف تلك القيمة الفكرية التي تتمتع بها تلك النتاجات، ما يُسْهِم في دعم الإبداع وتسويقه، ودخوله إلى عالم التنافسية الثقافية، وليس أدلَّ على ذلك من اختيار النسخة الإنجليزية من رواية «سيدات القمر» للعمانية جوخة الحارثي ضمن القائمة القصيرة لجائزة مان بوكر الدولية 2019 في بريطانيا، وهو أمر لم يكن ممكناً لولا تلك الترجمة عالية المهنية التي تُرجمت بها الرواية، ليلتفت العالم إلى هذه الرواية وما بها من تقنية سردية عالية، وهو أمر متوفر أيضاً في أعمال روائية عدة لم يُكشف عنها لأنها لم تُترجم ولم تُسوق بشكل لائق.

والتنافسية هنا ليست على الجوائز الثقافية وحسب، بل أيضاً على تلك المكانة الأدبية والإبداعية التي تكتسبها النصوص الأدبية بسبب مقروئيَّتها وانتشارها في العالم، الأمر الذي يكشف المستوى الفني والإبداعي لكُتاب المنطقة.