دراسات اقتصادية مستفيضة تفيد بأن الهند والصين، وغيرهما، قادرات على صنع منتجات تكنولوجية بنفس الجودة الأوروبية والأمريكية، وربما أكثر (وهو ما يحصل أحيانا في منتجات معيّنة)، لكن سقف الابتكار والجودة عموما في عالمنا المعاصر ليس فقط القدرات البشرية العلمية، إنما كذلك شروط التخطيط الاقتصادي، بالإضافة للمحيط السياسي.

مثلا، بينما بإمكان الهند تصنيع ماكينات زراعية بكميات كبيرة وتوظيفها في الزراعة المحلية، وبإمكانها كذلك رفع جودة تلك الماكينات، إلا أنها تفضّل تصنيع عدد محدود منها، وبجودة أقل من الأوروبية والأمريكية، ثم تصدير معظمها إلى الدول الأخرى النامية.

ذلك قرار اقتصادي ــ سياسي استراتيجي، حتى حين؛ فلكون الهند غير معروفة بعد في سوق المنتجات عالية الجودة، فهي ستحتاج لاستثمار أوّلي كبير في ذلك المضمار ولكن العائد لن يكون كافيا لتغطية تكلفة الاستثمار حاليا؛ ولو وظّفوا معظم تلك الماكينات في الزراعة المحلية، دفعة واحدة، فذلك سيسبب ارتفاعا كبيرا في معدّلات البطالة المحلية بسبب استبدال الكثير من العمّال الزراعيين بالماكينات، وذلك بدوره سيسبب زعازع سياسية كبيرة ستكلّف غالبا، ولمدّة، أكثر من العائد الاقتصادي لتوظيف الماكينات.

كذلك فمنتجات الصين الإلكترونية مثلا، هنالك أسباب مماثلة وراء تدنّي جودتها مقابل الالكترونيات اليابانية والأوروبية. مزيج الجودة الأقل والسعر الأقل مزيج مناسب حاليا للاقتصاد الكلّي الصيني، بل حتى للسياسة الاستراتيجية الصينية، طويلة المدى، في التغلغل عالميا في شتى الأسواق وفي توفير فرص عمل ماهر كثيرة لتعداد سكّانها الهائل.

وكذلك فللوضع البيئي وأولويات التنمية أثر في خيارات الابتكار، فاليابان مثلا ركّزت جهودها البحثية الزراعية على تقنيات زيادة الإنتاجية الزراعية من نفس مساحة الأرض، نظرا لأن أراضيها الزراعية محدودة المساحة وصعبة التضاريس، أما الولايات المتحدة فركّزت في جهودها البحثية الزراعية على التقانات التي تستطبيع زرع وحصاد أكبر مساحة ممكنة من الأراضي في الموسم الواحد، إذ لم تكن لديها مشكلة مساحة أراضي سهلة الزراعة.

لذلك فحين يقول أحدهم اليوم إن الماكينات الزراعية الأمريكية متقدمة في جودتها على اليابانية، نقول إن سبب ذلك كان غالبا اختلاف شروط الابتكار الزراعي في البلدين.

التنمية قضية تخطيط وتنفيذ بالدرجة الأولى، فمحتوى الخطة (أو الرؤية) التنموية، ومستوى اتبّاعها في العمل، يقرران بشكل كبير ما إذا كانت البلد ستبلغ طموحاتها التكنولوجية بعد حين أم لا.