إن جبر الخواطر (خُلُقٌ وعِبادةٌ) تخفيان على كثيرين، هل كنت يوماً ما مجروحاً تشعر بالألم من موقف بعينه، وكنت تنتظر من يجبر خاطرك؟ هل تعرضت يوماً لكسرٍ ما حسياً أو معنوياً وكنت محتاجاً لمن يجبره؟ لا شك أن كثيراً منا أو كلنا كان كذلك يوماً ما، وانتظر جبر خاطره، بعد أن كُسِرَتْ نفسُه أو فُطِرَ قلبُه أو أُرْهِقَ جسَدُه، ما المقصود بهذه العبادة في اللغة؟ «كلمة الجبر هنا: ضد الكسر، جَبَرَ اللهُ فُلَاناً فاجْتَبَر أَي سَدَّ مَفَاقِرَهُ، والجبر الإغناء، والمُجَبِّر(المجبراتي): الذي يجبر العظام المكسورة، والجَبْرُ: أن تغني الرجل من فقر أو تجبر عظامه من الكسر، وجبرَ الرجل: إذا أحسن إليه»، والجبر كلمة مأخوذة من اسم الله «الجبار» سبحانه جل في علاه يُطمئنُ القلبَ ويريحُ النفس فهو «الذِي يَجْبُرُ الفَقرَ بِالغِنَى، والمَرَضَ بِالصِحَّةِ، والخَيبَةَ والفَشَلَ بالتَّوْفِيقِ والأَمَلِ، والخَوفَ والحزنَ بالأَمنِ والاطمِئنَانِ، فَهُوَ جَبَّارٌ مُتصِفٌ بِكَثْرَةِ جَبْرِهِ حَوَائِجَ الخَلَائِقِ».

والخاطر: ما يخطر بالقلب من تدبير أو أمر، إن عبادة جبر الخاطر تعني أن تطيب قلب أخيك وأن تجبر كسره الذي أصابه، وأن تهوّن عليه الأمر وأن تكون بجواره؛ سنداً وعوناً، وأن تداوي جراحه وتطببها، ولو بكلمة، وصدق الله تعالى إذ يقول: «قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ»، والنبي صلى الله عليه وسلم ضرب أروع الأمثلة في تلك العبادة، فعندما قسم الغنائم، أعطى قوماً من ضعفاء الإيمان وأكرمهم غاية الكرم، وأعطى غيرهم شيئاً يسيراً فلما علم أنهم عَتِبوا عليه ذلك صعد المنبر وقال «إِنِّي أُعْطِي نَاساً وَأَدَعُ نَاساً وَأُعْطِي رِجَالاً وَأَدَعُ رِجَالاً، وَالَّذِي أَدَعُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ الَّذِي أُعْطِي، أُعْطِي أُنَاساً لِمَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الْجَزَعِ وَالْهَلَعِ وَأَكِلُ قَوْماً إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الْغِنَى وَالْخَيْرِ مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ (وكان ممن أخذ الشيء اليسير) فقال عمرو بن تغلب: مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُمْرَ النَّعَمِ» إن كلمة واحدة طيَّبت قلب الصحابي عمرو بن تغلب فصار بها أغنى الناس أجمعين، يقول الإمام سفيان الثوري: «ما رأيت عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه مثل جبر خاطر أخيه المسلم». وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم اغفر لي وارحمني واهدني واجبرني وارزقني».

وكما جاء في الأثر «من سار بين الناس جابراً للخواطر، أدركه الله في جوف المخاطر».