خلال الأعوام القليلة الماضية، ارتفعت معدلات مشاهدة المسلسلات الرمضانية عبر المنصات الرقمية التي كان أبرزها «يوتيوب»، هذا التحول كان هدفه الأساسي هروب المشاهد من مقاطعة الإعلانات التلفزيونية المطولة التي تحرمه من المتابعة المستقرة، وبدأت الظاهرة دون خطة أو تخطيط واضحين من منتجي المحتوى، بل إن بدايتها كانت من خلال قيام الهواة بتسجيل المسلسلات ونشرها عبر يوتيوب، الأمر الذي يهدر حقوق الملكية الفكرية ويندرج تحت بند «القرصنة».

ومع إدراك المنتجين حجم الفرص المتاحة من النشر عبر الإنترنت، بدأ الكثير من القنوات التلفزيونية التواجد رسمياً عبر «يوتيوب»، وبث المحتوى الذي تقوم بإنتاجه والاستفادة من مشاركة العوائد الإعلانية مع عملاق البث الرقمي العالمي. وإن كان هذا الأمر لم يخلُ من المشاكل التي تعود بالأساس إلى حداثة التجربة وعدم امتلاك القائمين عليها الخبرات التقنية الكافية للتعامل مع البث الرقمي.

على سبيل المثال، حجبت «يوتيوب» قناة «أون تي في» المصرية في أحد الأعوام نتيجة بث مسلسل يحوي بعض الأغاني والمقاطع الموسيقية التي تمتلك حقوقها الفكرية جهات أخرى، وهذه الممارسة هي أكثر الأخطاء التي يقع فيها ناشرو المحتوى على «يوتيوب»، بينما تأتي بعض المشاكل الأخرى من تقاطع المصالح بين القنوات التلفزيونية والبث عبر الإنترنت، وهو ما حدث منذ عدة أعوام عندما بدأ عرض مسلسل «تشيللو» اللبناني على يوتيوب قبل أن يوقفه المنتج بعد شكوى القنوات التلفزيونية التي حصلت على حقوق البث.

ومع هذه التجارب لم يفكر المنتجون في إنشاء منصاتهم الرقمية الخاصة سوى في حالة واحدة نفذتها شبكة MBC التي أطلقت منصة «شاهد» التي كانت أولى المنصات العربية لتقديم خدمة «الفيديو حسب الطلب»، وذلك في وقت مبكر يعود لعام 2011. وعملت المنصة بشكل أساسي على عرض المحتوى الذي تقدمه MBC خاصة المسلسلات الرمضانية إلى جانب بعض الأعمال الأخرى، وحققت تلك المنصة نجاحاً ملحوظاً مقارنة بالتجارب الأخرى للقنوات العربية.

ولكن رمضان 2019 يشهد مرحلة جديدة تماماً في هذا الإطار، سواء من دخول منصات عربية جديدة إلى المعترك أو التفات المنصات الدولية الكبرى إلى المحتوى الدرامي العربي خاصة في شهر رمضان. وربما يكون أبرز التغييرات هو ما يحدث في مصر، حيث أكدت مصادر شركة «سينرجي»، أكبر منتج لمسلسلات رمضان هذا العام بنحو 15 مسلسلاً، هي تقريباً كل الأعمال التي ستتابعها القاعدة العريضة من المشاهدين، أن الشركة قررت عدم عرض أعمالها عبر يوتيوب كما كان يحدث سابقاً، وعوضاً عن ذلك يمكن المشاهدة من خلال اشتراك مالي عبر تطبيق «ووتش إت» الذي أعلنت الشركة إطلاقه مع بداية شهر رمضان.

مالك شركة «سينرجي» هو المنتج تامر مرسي الذي يرأس أيضاً مجموعة إعلام المصريين التي تمتلك حالياً عدداً من أهم القنوات التلفزيونية المصرية مثل ON وDMC والحياة وCBC،وبالتالي فإن جميع المسلسلات التي تعرض على هذه القنوات لن تظهر عبر يوتيوب كما هي العادة. وهذه الخطوة تعتبر خطوة كبيرة في مجال الاستفادة من عوائد البث الرقمي، سواء من خلال الإعلانات المصاحبة أو الاشتراكات المالية للدخول إلى التطبيق.

في المقابل، يدخل المنافسة بقوة تطبيق «شاهد» من MBC اعتماداً على نجاحه السابق وقاعدته الجماهيرية التي بناها على مدى الأعوام الماضية، حيث يعرض برنامج المقالب والمغامرات «رامز في الشلال» إضافة إلى نحو 20 مسلسلاً عربياً مختلفاً.

على الجانب الآخر، دخلت منصات العرض الرقمي العالمية السباق الرمضاني بكامل قوتها، والبداية من شبكة «نتفليكس» أشهر من يقدم هذه الخدمات عالمياً، والتي أعلنت عن تقديم أربعة مسلسلات عربية للعرض اليومي خلال شهر رمضان. واللافت للنظر أن القناة تخلت عن سياستها العامة بطرح المسلسل كاملاً ليشاهده الجمهور كما يرغب، إلى فكرة العرض اليومي للحلقات، مثل الطريقة التقليدية، بحيث تمنح المشاهد السياق الذي اعتاد عليه أثناء المشاهدة خلال شهر الصيام.

واختارت الشبكة المسلسل اللبناني «الكاتب»، وهو مسلسل بوليسي تشويقي تدور أحداثه حول كاتب شهير في أدب الجريمة يجد نفسه متهماً بجريمة تشبه إلى حد كبير ما حدث في إحدى رواياته، بالإضافة إلى ثلاثة مسلسلات كويتية هي: «أنا عندي نص»، «حضن الشوك»، و«ماذا لو». واللافت للنظر غياب الدراما المصرية عن نتفليكس التي عرضت من قبل أعمالاً مثل «طايع» و«نسر الصعيد»، وربما يعود السبب في ذلك إلى أن الشركة المنتجة لمعظم المسلسلات الكبيرة قررت عرض أعمالها عبر منصتها الخاصة.

وبدأت شركة «نتفليكس» أيضاً الاستثمار في إنتاج المحتوى العربي، حيث سيتم إطلاق أول مسلسل عربي منتج لصالحها في شهر يونيو المقبل، ويحمل اسم «جن» وهو يتكون من ست حلقات في إطار تشويقي خيالي حول مراهقين يكتشفون جنياً في مدينة البتراء الأردنية التاريخية. في الوقت نفسه عرضت الشبكة برنامجاً كوميدياً بالعربية للنجم اللبناني عادل كرم.

بالإضافة إلى ذلك، أعلنت «نتفليكس» أيضاً عن بدء إنتاج أول عمل نسوي عربي بالتعاون مع شركة «فيلمزيون» الأردنية، والذي سيحمل اسم «مدرسة الروابي للبنات»، وتدور أحداثه داخل إحدى المدارس في العاصمة الأردنية، ويناقش مشاكل مرحلة المراهقة وقضايا التنمر في تلك المرحلة العمرية.

وبالإضافة إلى شبكة «نتفليكس»، أعلنت منصة Viu التي تحقق نمواً في المنطقة العربية أنها ستعرض مسلسل «زودياك» الذي ينتمي لنوعية الرعب والتشويق والمأخوذ عن كتابات الراحل أحمد خالد توفيق، حيث سيعرض عبر المنصة لمشتركيها خلال شهر رمضان في الوقت الذي ستعرضه بعض القنوات التلفزيونية بالتزامن. وكانت الشبكة قد عرضت خلال الأشهر الماضية مسلسل «أنا شيري دوت كوم» المصري في عرض حصري، كما عرضت مسلسلاً سعودياً يحمل اسم «دون» ويدور في إطار الجريمة والتشويق.

* تجربة مختلفة

تجربة مشاهدة مسلسلات هذا العام ستكون مختلفة عما سبقها، فمن ناحية فإن أغلبية المنتجين يراهنون على الحصول على عوائد أكبر من خلال الاشتراك في المنصات الرقمية وبعض الإعلانات، ومن ناحية أخرى ربما يؤثر هذا الأسلوب على انتشار المسلسلات ونسب المشاهدة، وهو الأمر الذي سيكون النجوم أكثر المتضررين منه. إنها تجربة قد تؤثر كثيراً على مستقبل البث في المنطقة العربية، خصوصاً أنها تتم في أعلى مواسم المشاهدة التلفزيونية على الإطلاق.