مثل المريض الذي طال به البقاء في غرفة العمليات وامتدت فترة الاستفاقة حتى يستعيد وعيه بعد عملية جراحية، يكاد يكون هذا هو مشهد أوروبا اليوم في علاقاتها مع إيران، وخاصة فيما يتصل بالاتفاق النووي.

خلال عام أي منذ انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق سيئ السمعة الذي وقعه الرئيس الديمقراطي باراك أوباما ذاك الذي باع الأوهام للعالمين العربي والإسلامي، حاجج الأوروبيون طويلاً بأن إيران قد حافظت على وعودها النووية ولهذا يجب دعمها، وعدم تركها فريسة للأمريكيين.

لكن الأيام تكشف وبجلاء تام عن حقيقة الإيرانيين، ما يجعل الأوروبيين يستفيقون وحسناً أن تأتي متأخراً، فذلك خير من أن لا تأتي أبداً.

حين طبقت واشنطن عقوباتها الأخيرة على الإيرانيين، أظهرت طهران وجهها الحقيقي للأوروبيين، إذ أعلنتهم بتحللها التدريجي من بعض بنود الاتفاق النووي، تلك المتعلقة بتصدير الماء الثقيل واليورانيوم المخصب، أي أنها تحللت من القيود المفروضة على سعيها لحيازة سلاح نووي في مدى منظور.

يجيد الإيرانيون وبقوة فن المقايضة، وربما هذا ما كان ينقص الأوروبيين فهمه، رغم ما لديهم من رجال ومرجعيات، ويبقى السؤال تاريخياً، كيف فاتهم أن إيران في واقع الحال ليست في حاجة إلى برامج نووية لتوليد الطاقة الكهربائية كما تدعي، سيما وأن احتياطياتها من الغاز والنفط توفر لها ما تشاء وأزيد.

الإيرانيون اليوم يبتزون الأوروبيين، ولا يجد المرء لفظة أخرى في القاموس غير الابتزاز ليستخدمها في وصف ما يفعله الملالي في طهران، والذين أعلن مجلسهم الأعلى للأمن القومي تقليص التعهدات الإيرانية، وإعطاءهم مهلة قدرها ستون يوماً لأعضاء الاتفاق النووي لتنفيذ تعهداتهم في المجالات المصرفية والنفطية، وهما القطاعان المعزولان بفعل العقوبات الأمريكية.

يخطئ الإيرانيون كثيراً إذ يحاولون اللعب على المتناقضات بين واشنطن وبروكسيل، وينسون أو يتناسون أن ما بين شرق الأطلسي وغربه أخوة وشراكة دم، وخيط رفيع من الحضارة الواحدة، والتوجه الديمقراطي والليبرالي النابذ للشمولية والتوتاليتارية، وبقية التوجهات السلطوية الإرهابية الإيرانية، ولهذا يكاد يكون من العبث محاولة تفريق الجانبين.

اليوم يدرك الأوروبيون أنهم ارتكبوا خطأ كبيراً حين اعتقدوا بأن إيران يمكنها أن تتغير من الداخل، أو أن تعدل أو تبدل من مساراتها السياسية والعسكرية، الأمر الذي كان واضحاً وبقوة أمام أعينهم طوال الفترات الماضية.

في مارس من عام 2018 حين ذهب وزير الخارجية الفرنسي «جان إيف لودريان» إلى طهران في محاولة لإقناع الملالي بوقف التجارب الصاروخية لا سيما الباليستية، والتي يمكن لبعضها أن يصيب دول جنوب المتوسط، اشترط عليه الإيرانيون أن تتخلص أمريكا وأوروبا من كافة برامجها الصاروخية، إن أرادوا من الإيرانيين المثل، ما يجعل المرء يتساءل حائراً كيف قدر لأوروبا أن تغط في نوم عميق أمام إرهاب دولي عابر للقارات يمكن أن يأتيها على رؤوس صواريخ طهران التي تستطيع أن تحمل رؤوساً نووية، إذا قدر لها المضي قدماً في برنامجها النووي هذا؟ استفاقة أوروبا ولو متأخرة تجعل الإيرانيين أمام مواجهة أممية حقيقية للمرة الأولى، وخاصة بعد تهديدات روحاني بأن طهران ستقوم بإجراءين آخرين هما رفع مستوى تخصيب اليورانيوم، واتخاذ قرار حول مفاعل أراك بعد فترة الـ 60 يوماً.. أي إكمال سعي الحصول على سلاح نووي.

الخلاصة.. أوروبا وإيران لا تلتقيان.