من حسن الحظ، أن تكون لديك صور فوتوغرافية عن حياتك قبل دخول عصر الهواتف الذكية.. صور من طفولتك ومراهقتك وشبابك لم تتعود فيها مواجهة العدسة بانتباه ملفّق .. تقف في جهة اليمين من صفك المدرسي كتفاً لكتف مع زملاء الطفولة، ثم تنظر نحو الأمام وليس لديك ما تقوله للمستقبل، ولا تفكر مع نفسك أن هذه اللقطة، ستشكل في يوم ما أرشيفاً للحظة نادرة.

بعد سنوات ستعثر على الصورة مصادفة، تحاول أن تتذكر أسماء الذين يظهرون فيها واحداً واحداً، ربما تنسى بعضهم أو تخطئ في تسمية أحدهم.. هذا «الأحدهم»، هو الآن في مكان آخر من هذه الحياة، لديه نسخة من الصورة ذاتها ولكنه لم ينس اسمك، يعرف عنك أشياء لم تعرفها أنت عن نفسك، ولكن هل كنت أنت شخصياً تعرف نفسك؟!.

في كل صورة من تلك الصور القديمة، التي حفظتها لنا الأمهات، نحن لسنا نحن.. الإنسان لم يبق نفسه على كل حال.. هو مجموعة هويات متراكمة ومنزاحة ومستقرة ومتحركة، وكل ما تنساه من ذكريات ويعرفها عنك الآخرون هو ليس أنت.

في القرن الثامن عشر طرح الفيلسوف وعالم الاجتماع توماس ريد مفارقة عرفت فيما بعد بمفارقة الضابط الشجاع، يضرب فيها مثلاً عن صبي سرق تفاحة، بعد سنوات أصبح شاباً، وتطوع في الجيش برتبة ضابط ونال أوسمة للشجاعة، كان يتذكر حادثة سرقة التفاحة.

في كهولته أصبح هذا الضابط جنرالاً متقاعداً يتذكر أنه كان ضابطاً شجاعاً ونسي أنه كان صبياً سرق تفاحة، وطبقاً لنظرية توماس ريد التي يشتقها من الفيلسوف جون لوك، فإن الضابط الشجاع هو نفسه الطفل سارق التفاحة، وأن الجنرال المتقاعد هو نفسه الضابط الشاب الشجاع ولكنه ليس هو الطفل نفسه، لأن ما لا تتذكره هو ليس أنت.

الذاكرة هي التي تحمي هويتنا من التشظي. هي التي تجعلنا نضحك إن كنا قد سرقنا تفاحة في طفولتنا، أما ما لا نتذكره من حياتنا فسيسرقه النسيان.. نحن لسنا دائماً نحن.