ما أحلى عبارتي «أنا آسف»، و«عذراً»!.. لو أدركنا حقيقة أثر هاتين العبارتين في حياتنا التي يملؤها التّوتر وغياب السّكينة جرّاء الأنانية التي يكتسي كلّ منّا ثوبها السّميك، فكم من الصّداقات تمزقت! وكم من البيوت والعائلات تحطّمت بسبب أنانية أفرادها!.

أنا أعلم بوجود كثير من الأصدقاء وعائلاتهم التي تعاني بسبب سوء التّفاهم النّاشئ عن أتفه الأمور، من ذلك أن لا أحد من الأطراف المتخاصمة أو المختلفة بادر بالاعتذار، وحالت الأنانية دون أن يطلبوا العفو، وطال بهم الزّمن، فزاد فتق القطيعة، وهذا حال مؤسف يشي صراحة بأننا بوصفنا مجتمعاً مسلماً لم نتربّ على هذه القيم الإسلاميّة والإنسانيّة الأساسية التي تركز ارتكازاً أساسيّاً على صفاء القلوب من الضّغائن والأحقاد والكراهية، وليس السّبيل إلى ذلك إلا بالعفو والاستعفاء.

الحياة قصيرة، ولكل إنسان أجل، وكلما خلت حياتنا وموازيننا من الأثقال الناشئة عن إيذاء العباد وجرح مشاعرهم وسلب حقوقهم كانت أقل تعقيداً، وأكثر خفة وراحة، وكنا أقرب إلى الله، وأجدر بنيل سمحه وعفوه ورضاه وكرمه.

كلّ منّا يقصر، ويذنب، ويخطئ، فإذا صدر الخطأ منّا بحقّ شخص، فلا ينبغي الإصرار على الخطأ، سواء أكان المعتدى على حقه تابعاً أم متبوعاً، والداً أم مولوداً، حاكماً أم محكوماً، وقول «أنا آسف» يمحو كلّ شيء.

إذن لنضع في اعتبارنا أنّ طلب العفو ليس عملاً نابعاً من ضعف بل العكس هو الصحيح؛ فالقويّ هو الذي يبادر إلى العفو، والضّعيف هو الذي يلوذ إلى الأنانية، ويسمح للأمور بأن تصبح أكثر تعقيداً وسوءاً، وينطبق الأمر ذاته على الحكّام الذين يرتكبون أخطاء فادحة بحق الشّعوب من خلال سياساتهم وإجراءاتهم الخاطئة، التي تكون قد جلبت الشّقاء للشعب، وقد يدركون أخطاءهم، ولكن أنانيتهم تحول دون الاعتذار، فلو فعلوا ذلك لغفرت الشّعوب لهم، ولكنّهم - على نقيض المطلوب - يتمادون في تبرير تصرفاتهم وسلوكياتهم الخاطئة.

وهذا حال معظم الحكام في الشّرق، ولا تُستثنى منه أنظمة الحكم التّمثيليّ أو الموروثيّ.

هنالك الكثير لنتعلمه من المجتمع الغربي؛ وعلى رأسه الاعتذار عن الخطأ، فقد بات في صميم المجتمع الغربيّ القول «أنا آسف» عند صغارهم وكبارهم، وهذا يفسّر سبب أنّ حياتهم أقل تعقيداً من حياتنا نحن في الشّرق.

لنتمرّس في هذا الشّهر الفضيل على الاستغفار أولاً لخالقنا، ثم الاستعفاء من عباده، ولنتخذ هذا السّلوك المحمود قيمة أساسيّة في حياتنا.