هل ستبقى الآثار التي نتركها عبر الإنترنت قائمة، وهل سنحصل مع الويب على حياة ثانية بعد الموت؟ فالشركات الناشئة تريد استخدام البيانات التي تتركها عبر الإنترنت لإنشاء «نسخة» افتراضية عن شخصية الإنسان تجعله خالداً وتمكنه من التحدث إلى أحبائه بعد مماته وذلك بواسطة ما يترك، بوعي أو بلا وعي، من آثار على الويب، كالصور والتغريدات والتعليقات على الفيسبوك مثلاً، ومقاطع الفيديو.

فهذه البيانات المنتشرة في كل مكان، أي على ملفات التعريف الخاصة وفي رسائل البريد الإلكتروني وعلى المدونات، تشكل عندما يتم التقاطها وتجميعها، هوية الإنسان الرقمية - وتصبح إلى حد ما «مرآة» لشخصيته.

ووفقاً للباحثة في الهوية الرقمية فاني جورج، أن هذه العلامات ،تترك أثاراً عن حياة المستخدم الذي أنتجها وتظهر صورته.

وهذه المظاهر تعرض حياته الرقمية لخطر الاستغلال من جانب الشركات خلال حياته.. وأيضًا بعد وفاته.

ويمثل مستقبل البيانات الرقمية مشكلة تتطور أكثر فأكثر مع مرور الزمن وعمر شبكات التواصل الاجتماعي.

وفي حال مضى نحو 15 عاماً من التعامل والتفاعل مع هذه الشبكات وبلغ الإنسان من العمر 30 عاماً، فهذا يعني أنه مر نحو 15 عاماً على قيام غوغل بجمع بيانات عنه، بدءًا من كتاباته على الإنترنت وحتى رسائل البريد الإلكتروني التي تعد بعشرات الآلاف والتي تكشف عن شخصيته، وصوته ووجهه المتضمنين في مقاطع الفيديو. وبالتالي يتم تخزين الأفكار على خوادم حتى وإن كنا تعتقد أننا حذفناها، فبياناتنا الشخصية تظل موجودة.

وفي عالم رقمي يتوسع باستمرار، يطرح عمر بياناتنا مقارنة بعمر حياتنا سؤالًا جديدًا: ماذا نفعل عند الممات بكل هذه البيانات المنشورة والمشتركة على مدار كل هذه السنوات؟ لا يوجد شيء في القانون في الوقت الحالي يقول إن حساباتنا الرقمية ستغلق عند وفاتنا. وفي حالة عدم وجود طلب من ورثتنا، ستظل الحسابات المختلفة موجودة، لأنه يصعب على مسؤول الموقع التمييز بين ملف تعريف غير نشط وطويل الأجل دون سبب محدد، وملف تعريف غير نشط بعد الوفاة.. ونتيجة لذلك، أصبح الإنترنت أكبر مقبرة وفي فيسبوك مثلاً، هناك ملف واحد على الأقل من أصل 100 ملف قد توفي صاحبه، أي ما يعني هناك 15 مليون ملف لمتوفين.

ولهذا السبب فإن عمالقة الويب، من فيسبوك إلى غوغل، مروراً بتويتر ولينكدن يسمحون الآن بالإبلاغ عن وفاة مستخدم، أو لإنشاء «نصب تذكاري افتراضي" مخصص لأقارب شخص مفقود، وهذه المساحة تسمح لهم بالتفاعل معه، أو بالأحرى مع ملف التعريف الرقمي، الذي يبقى بعد موته.

ولاحظت فاني جورج، التي تنسق مشروعًا بحثيًا حول الهوية الرقمية «بعد الوفاة»، أن شبكات التواصل الاجتماعي «أصبحت مقابر افتراضية، وغالبًا ما يتم أخذ حسابات الأشخاص المتوفين من قبل أقربائهم لتشكيل» نصب تذكارية «... وحتى أنواع من «هويات وهمية» للقتلى.

وفي عام 2013، تم في حلقة من سلسلة بلاك ميرور الاجتماعية تخيل حوار بين زوجة شابة اسمها مرتا، وبين ذكاء اصطناعي يمثل شخصية زوجها أعيد تشكيلها من هويته الرقمية.

والآن تعمل العديد من الشركات الناشئة بجد في العالم على الأنظمة التي يمكنها إنشاء «نسخة رقمية» عن شخص بالاعتماد على بياناته الشخصية. ولا بد من أن تكون هذه الهوية الرمزية، عند الطلب، قادرة على التفاعل غداً مع الأحفاد. على الأقل، هذا ما تعد به الشركات وراء هذه الخطط «للحفاظ على حياة» شخص مات وذلك بفضل الذكاء الاصطناعي.

فبفضل كل بياناتك التي يتم جمعها على شبكات التواصل الاجتماعي، من المرجح أن تصيح نسختك الرقمية شبيهة بك، حتى في فكاهاتك الموجودة في كتاباتك وفي صوتك الذي يتم توليفه بفضل الأصوات ومقاطع الفيديو الخاصة بك.

وفي الوقت الذي تقرأ فيه هذا المقال، هناك شركات ناشئة تعمل في سيليكون فالي بجد لإنشاء صورة رمزية افتراضية عنك عند الطلب. ولذلك أنها تحتاج منك فقط لمنحهم بياناتك الشخصية نظراً لأن جمع تلك المنشورات على الشبكات الاجتماعية ليست بالضرورة واضحةً ، فمعظمها ليس في وضع «عام". وعلى أي حال، من الأفضل أن تحصل على موافقتك بدلاً من المخاطرة بانتهاك خصوصيتك.

وهناك شابة روسية تدعى أوجينيا كويدا، تعمل مبرمجة وتقيم في سان فرانسيسكو. أنشأت ذكاء اصطناعياً يمكنه التوصية بالمطاعم والدردشة مع العملاء، كما أنشأت برنامجاً قادراً على التحدث مع أحد أصدقائها المفقودين.

فبعد مشاهدتها الحلقة الشهيرة التي ذكرت أعلاه، بدأت بإنشاء برنامج قادر على تصميم «برامج الروبوت". ومن أجل «إعطاء الحياة» لأفضل أصدقائها، الذي توفي في حادث سيارة، حصدت لمدة 3 أشهر رسائله النصية ورسائل البريد الإلكتروني والصور وكذلك جميع تدخلاته العامة على شبكات التواصل الاجتماعي. ثم، كما هو الحال في السلسلة، ابتكرت شاتبوت مع فكرة التمكن من الحديث مع هذه الصورة الرمزية أي إعادة إنتاج شخصية صديقها، لجعل الحداد عليه أكثر سهولة.

وكنصب تذكاري تفاعلي، يسمح الروبوت ريبليكا، لمستخدمه بإنشاء نسخة رقمية خاصة وذلك إثر سلسلة من التبادلات بينهما. وبالإضافة إلى خدماته كصديق، ريبليكا يصبح رفيقاً للتحدث معه يوميًا بهدف توثيق حياة الإنسان واستكشاف الشخصية والتفكير بصوت عالٍ.

وأوضحت كويدا أن التكنولوجيا لم تنضج بعد بما يكفي لمعالجة الموضوعات الفلسفية العميقة أو غيرها من الموضوعات وأن الروبوت ريبليكا يستخدم بشكل خاص الوثائق عن الحياة اليومية وما يحدث في حياتنا ومشاركة عواطفنا.

وعندما تتناقش مع ريبليكا يتم أثناء الدردشة، التعرف على أسلوب الشخص في الكتابة كما يعيد إنتاج طريقته للتعبير على الإنترنت. ولكن لا بد لتدريب الذكاء الاصطناعي للروبوت ريبليكا من إرسال يومياً من 20 إلى 30 رسالة بريدية تسمح له بالاطلاع على مزاج الشخص وعباراته المفضلة.

وقد تظل النصب التذكارية الافتراضية إلى الأبد في السحابة، ما يجعلنا «خالدين» بطريقة ما.

ويذكر أن الملياردير الروسي ديمتري إتسكوف جمع حوله ثلاثين عالمًا ليخلقوا بحلول عام 2045 «دماغاً اصطناعيًا» و"نسخة روبوتية» من جسده، لنقل ذهنه في نهاية حياته. ولكن في انتظار أن يرى مفهوم الخيال العلمي هذا في العالم الواقعي أو لا، فإن «النسخ الافتراضية» لأنفسنا قد تكون نوعًا من السفراء وتشكل ذكريات عن الماضي للأجيال القادمة.