في العدد الأول من مجلة «العربي» الكويتية، ديسمبر (كانون ثاني) سنة 1958، نشر عباس محمود العقاد مقالاً عن «صلاح الدين الأيوبي» استغرق ثماني صفحات، وكان توفيقاً ونجاحاً للمجلة الوليدة ورئيس تحريرها «المؤسس» د. أحمد زكى أن يستكتب العقاد، وكان الأخير ذكياً ولمَّاحاً، حيث أدرك رسالة المجلة التي اختارت «العربي» عنواناً لها، فاختار شخصية هذا البطل العظيم والسياسي الفذ ليكون موضوعاً لمقاله، فقد أجمع عليه العرب، وهو وإن لم يكن عربي الجنس، هو كردى، إلا أنه يعكس معنى العروبة، أي الثقافة والموقف والانحياز، وصَفه العقاد بأنه «رجل مستوفٍ.. تمّت له أسباب القدرة على الحكم والسياسة وتوازنت عنده صفات الشجاعة والدهاء وخلائق الرفق والشدة».. وأطلق عليه بطل الشرق والإسلام وإننا يجب أن نتذكره هذه الأيام كلما تذكرنا «جريمة الواغلين على فلسطين» وأنه حررها بسيف ذي حدين «مضاء ودهاء».

ولعل العقاد بهذا المقال في مجلة العربي كان يرد على سؤال ألح عليه طويلاً من قرائه وهو: لماذا لم يضع كتاباً في سلسلة العبقريات عن عبقرية صلاح الدين، أسوة بغيره من العظماء الذين تناولهم في كتبه وقدّم سيّرهم؟، ويبدو أن مقاله لم يكن كافياً ولا مشبعاً للقراء، لذا لم تتوقف التساؤلات وهكذا وجدناه يتعرض لهذا السؤال في مقال له - جريدة الأخبار المصرية العدد 13 يونيو 1962 - قائلا «إننا نفضل الابتداء بالعبقريات التي لم يكن نصيبها من التقدير، أو التي تختلف في النظر إلى أعمالها مقاييس عصرنا ومقاييس العصر الحديث»، ينطبق ذلك على خالد بن الوليد أكثر، فقد تصور بعض الدارسين والمؤرخين أن تطور العلوم العسكرية والحروب الحديثة يطوي عبقرية ابن الوليد وتميزه كقائد فذ.

باختصار العباقرة في تاريخنا وفي حياتنا المعاصرة كثر وفى مختلف المجالات، وهو حين يتوقف عند شخصية ما؛ فإن ذلك يكون ضرورياً لإبراز ما يسميه «حق ضائع أو حقيقة مجهولة»، ولم يكن حق صلاح الدين ضائعاً ولا حقيقة مجهولة، إنجازه معروف وملموس للجميع سياسياً وعسكرياً، فقد اتفق على نبله وتسامحه وقوته الأعداء والأصدقاء، في الشرق والغرب، ونادراً ما يحدث ذلك لشخصية تاريخية.. يقول العقاد في مقاله بمجلة العربي: «كاد يغنيه إنصاف الخصم اللدود له عن إنصاف الولي الودود»، لكننا اليوم وبعد أكثر من نصف قرن على رحيل العقاد، نجد من يعيب على صلاح الدين الدهاء، ومن يرفض المضاء.