هل تعتقدون أن المجتمعات التي ترفل فيها الإنسانية في النعيم قولاً وفعلاً، وصلت إلى هذا المستوى الحضاري بالوراثة أو بالصدفة! هل يمكن لأي مكتسبات حضارية قيّمة أن تُوجِدَ نفسها بنفسها على طاولة الواقع، دونما عمل ومجهود وتخطيط مبني على دراسات وأبحاث تستثمر خلاصات نتائج التجارب البشرية على مرّ العصور!حضور الإنسانية بكافة مكوّناتها الحقيقية الـمُطبّقة بحذافيرها في أي مجتمع مدني كفيل بقفزات حضارية فارقة لدى أفراد هذا المجتمع، فهي بمنزلة القلعة المنيعة القادرة على التصدّي لعشرات التحديات البشرية، سواء القديمة أو المتجددة، من ظلم واستبداد ومحسوبية وفساد وأفكارٍ هدّامة مسمومة يتم بثّها بخبث مُغلّف بخداع النوايا الطيبة والقدوة الحسنة!

منذ أيام أسعدني خبر قادم من أستراليا، حيث تمّ تعطيل تنفيذ مشروع منجم فحم عملاق يصل حجم إنتاجه إلى 27 مليار طن من الفحم، في ولاية كوينز لاند شمال شرق أستراليا. فقد أبلغت حكومة الولاية شركة «أداني» الهندية العملاقة للتعدين أنها رفضت مخطط مشروعها لغرض حماية طائر الحسون ذي الرقبة السوداء النادر المهدد بالانقراض. تبلغ قيمة المشروع أكثر من 20 مليار دولار أسترالي (14 مليار دولار)، وتفعيله سيؤدي لاستحداث فرص عمل كبيرة في الولاية، إلا أن التوقف جاء بسبب عدم اقتناع وزارة البيئة في الولاية بمخطط الشركة لحماية هذا النوع من الطيور الذي تناقصت أعداده بنسبة نحو 80 في المئة خلال العقود الأخيرة.

الفنون أيها السيدات والسادة، مكوّن فطري ينشأ وينمو بشكل طبيعي في المجتمعات ذات الفكر الراقي المستنير، مُهدِيةً قِيَمَ الخير والمحبة والجمال وتقديس حق الجميع في الحياة وتجريم الاعتداء على الطبيعة. إن المجتمعات التي تقف احتراماً لدور الفن في صناعة النهضة، هي ذاتها بالضرورة .. التي تعيش فيها الإنسانية حياة النعيم. أتحدّى واثقة من عدم وجود مجتمع يرفض الفنون .. تنعم فيه الإنسانية بالخير والأمان.

إن إنسانية دولة الإمارات وحال التسامح فيها لم يأتيا مصادفة، بل نتاج رؤية مُبكّرة .. وتنفيذ عبقري صادقت عليه النتائج الحضارية الرائدة.