الصراع.. سنة أبدية وكونية، والصراع الطبقي لم يخترعه ماركس وانجلز، بل لم يكونا مكتشفَيه؛ فهو بين الأمم والشعوب، وبين الجماعات والأفراد قائم منذ الأزل، ومنذ قتل قايين (قابيل) أخاه هابيل، والمولى عز وجل يقول في كتابه الكريم: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا). [الحج:40].

القرن السابع عشر عصر الاستعمار وعصر التنوير، والقرن العشرون قرن التحرر من الاستعمار والثورات الشعبية والانقلابات العسكرية.. فهل يكون القرن الواحد والعشرون عصر انهيار الإمبراطوريات وافتضاح الانتخابات الزائفة، وبزوغ فجر الاحتجاجات المدنية السلمية كبديل عن الانقلابات العسكرية، والانتخابات المغشوشة والمسخرة للفئات والطبقات الأغنى والأقوى؟ غربت شمس حركات التحرر الوطني بعد غروب شمس الاستعمار.. المستعمرة المتبقية الوحيدة الآن فلسطين المحتلة، ويناضل أبناؤها بالاحتجاجات السلمية، والمقاومة الوطنية عبر انتفاضتين الأولى 1987 (انتفاضة الحجارة)، والثانية عام 2000 (انتفاضة الأقصى)، وتشهد الأمة مسيرة العودة في غزة منذ بضعة أشهر، وهذه الاحتجاجات أخطر على إسرائيل من كل الحروب التي عرفنا نتائجها.

ربما لن تقف الاحتجاجات عند تخوم عالمنا الثالث والرابع، فقد تمتد إلى أمريكا؛ حيث استُقبل انتخاب ترامب باحتجاجات لعدة أسابيع، وشهدت بريطانيا وإسبانيا وروسيا والصين احتجاجات مغايرة ومختلفة، وما يجري في فرنسا - احتجاجات السترات الصفراء - مؤشر خطر بغض النظر عمن يقوم به.

ظن كثيرون أن ثورة الربيع العربي قد همدت وإلى الأبد، ولكنها الآن تتجدد في الجزائر والسودان، وتواجه غطرسة العسكر، ومكائد الإسلام السياسي، ودعم بعض الدول، بينما تعلن أمريكا وأوروبا والاتحاد الأفريقي موقفهم إلى جانب القوى المدنية، مطالبين العسكر بسرعة تسليم السلطة للقوى المدنية.

انتصار الاحتجاجات السلمية في السودان والجزائر يجدد أو يعد بهبوب رياح الربيع في أفريقيا والمنطقة العربية، وربما أبعد من ذلك.

واهم من يعتقد أن الحروب التي شنت على سوريا كانت لإسقاط بشار، أو في ليبيا لإسقاط القذافي، أو في اليمن لعودة الشرعية؛ فالحروب هنا وهناك لا غاية لها غير قطع الطريق على انتصار الاحتجاج المدني السلمي.

تحالف العسكر والإسلام السياسي بشقيه: المؤتمر الوطني، والمؤتمر الشعبي، وأحزاب الموالاة، والطائفية هي الخطر والعائق الحقيقي أمام انتصار الثورة في السودان، أما في الجزائر، فإن العسكر لا يزالون يمثلون عمق الدولة وسندها الأساس، وطموح العسكر هناك للتخلص من بعض رموز الفساد مقابل الحفاظ على التركة كلها.