كانت الساعة تقترب من السابعة، حيث كنتُ على موعدٍ غير قابلٍ للإرجاء، ولولا ثورةُ مارد الهوى وسلطان الشوق داخلي لبقيتُ قيدَ الانشغال.. كان القلب هو الدليل فاتبعته حين أردف الصديق قائلاً: سيصحبنا ثالثٌ لتجمعنا مائدة مودة ثلاثية الأضلاع على طاولة رباعية.

تنتهي المكالمة، وتبدأ نسائمُ الترقُّب تداعبُ السرائر بلطف، تصحبها لذّة تسليم، كطفلٍ يجرّه صاحبه من فصله الدراسي ليدفعه إلى ساحة المرح.. فرصة سانحة للتجرّد من لقاءاتِ المصالح، ودعوات لهم فيها مآربُ أخرى، وجلسات تغادرها وقد أثقل كاهلك بأحمال لا قِبَلَ لك بها، حتى بعض المواعيد مع رفقاء الدرب لم تُخل الحياةُ سبيلَهم إلا وقد صبغت ملامحهم بالمغانم، وبدّلت بهم الصفقات، وأكثرها وهمية كلامية، فصار حالهم غيرَ الحالِ في عهدٍ أَفَل، فما يكون منك سوى التربيت على ذاكرتك الباهتة والركون لزاوية النسيان.

وصلتُ في الموعد لتحتويني حفاوةٌ ترحابية وطاقةٌ إيجابية، خاليةٌ من المغالاة والمجاملات، لقاءٌ أقرب ما يكون إلى حبّات المطر المتساقطة على أرضٍ نال منها الجدب فارتوت.. لقاءٌ طوّقته عناقيدُ المحبة التي تسلّلت من بينِ أكفٍّ تلامسك فتحتويك، وتداويك فترويك.

لم يَحلَّ على لقاء الأصدقاء الثلاثةِ رابعٌ نرجو منفعته، أو خامسٌ نرقُب مغانمَه، أو سادسٌ يتملّق، أو سابعٌ يعدّ علينا الهفوات والزلات وكأنه الملاك القادم من كوكب آخر، أو ثامنٌ يتباهى، أو تاسعٌ يُنظّر، أو عاشرٌ يداري حسداً تكشفه نظراتُه وترسمه قسماتُ وجهه.

كان اللقاء أبسطَ مما قد تظن، مفعمٌ بالصدق، مملوء بالشجون، تتخلله الوقفات والتأملات، يحملُ ثلاثتنا على بساط الذكريات، ويجوبُ بنا شمالَ الأوطان وجنوبَها، ويعرّج على مواقفَ لقامات وهامات لا تُنسى، غابتْ أجسادهم وخلّدتهم أعمالهم، ثم نقف على سؤال محوري طرحه عرّابُ اللقاء ومهندس المودة القلبية: كيف لي أن أكون أفضل من (أنا) وأستبدل بها (أنا) ربانية نقية سماوية تواكب حاضراً معقداً وتتأهّب استعداداً ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم؟.. ويبوحُ صديقنا الآخر بصمته المسموع: تلك جلسة ترمم عقلي وتمنحني ميلاداً جديداً وثقة في (أنا) المثقلة.

إن جادت عليكم الحياة بأصدقاء معادنهم نبالة، وصدقهم إخلاص، ووصالهم محبة، وغيابهم حضور، وحضورهم ارتواء، فلا تحرموا أنفسكم من مثل تلك الاستراحة: استراحة ثلاثية الوفاء والنقاء والارتقاء.. ممنوع الاقتراب!.