كم جميل أن تشاهد الأبناء وهم يجتمعون في رمضان على مائدة واحدة، مع آبائهم وجيرانهم وأصدقائهم عند الإفطار، نقول هذا لأن (تخطيط المدن) فرقنا، فأصبح بعضنا يسكن في الشرق والبعض الآخر يسكن في الغرب، ولكن «الفيمتو والهريس» أعادا جمعنا مع بعضنا البعض.

إن التطور العمراني من جهة، ونظام ساعات العمل الحديث من جهة أخرى لم يتركا مجالاً لاجتماع الأسر، كما كانت الحال في السابق، ولكن في شهر رمضان يحاول الجميع الاجتماع على مائدة إفطار واحدة، وتبادل فيها أطراف الحديث بطمأنينة وأمن وسلام، وهذا مصداقاً لرسالة وطننا بأن «البيت متوحد».

هناك تغريدة على تويتر تشرح ما صنع (الربيع العربي) بأبناء العروبة باسم الحرية والديمقراطية، فقد غرد رجل من سوريا قائلاً إنه قبل عدة سنوات كان والده يصر على أن تجتمع العائلة كلها في رمضان على مائدة إفطار واحدة، ليفرح برؤيتهم، ويلتقي الجميع مع بعضهم البعض فكانوا نحو 47 فرداً، واليوم بعد الربيع العربي، عندما يفطرون لا يكادون يصلون لربع هذا العدد، بسبب النزوح والهجرة والقتل، وربما لن يجتمعوا بعد قرن من الزمان.

فرد على التغريدة نفسها شخص عراقي يؤكد كلامه، بأن أفراد عائلته كانوا يجتمعون جميعهم في منزل كبير العائلة قبل عام 2003، وبعد التحرر والحرية لم يبق لا المنزل، ولا كبير القوم، ولا حتى العائلة، فمن حشد شعبي إلى داعش إلى فساد الحكام الجدد.. لا تسأل فجميعهم لصوص باسم الحرية والقانون.

رد عليهما ثالث ليخبرهما أنه كان يستثقل التحرك من المنزل والذهاب للإفطار عند إخوته وأقربائه في منزل مجاور لا يبعد عنه إلا عشرات الأمتار، وبعد الربيع العربي أصبح كل فرد ممن كانوا يجتمعون على الإفطار في قارات وبلدان بعيد، مثلاً في أستراليا والسويد ومصر وأمريكا.. كل منهم يصوم ويفطر بتوقيت مختلف، وفي بلد مختلف، وأجواء مختلفة، فأصبح يبكي على يوم كان أهله وأحباؤه يبعدون عنه بضعة أمتار ولا يصل إليهم، واليوم يتمنى ساعة من تلك الأيام.. لقد أصبحت تفرقهم محيطات وجبال وحدود وجوازات.

لهذا كله، علينا أن نحمد الله اليوم على نعمة الأمن والآمان، حيث لم تجرفنا الفتن معها، بفضل ورحمة الله بوطننا، وما هدى إليه قادتنا من حكمة ورشاد.. ولله الأمر من قبل ومن بعد، وله الحمد على ما نحن فيه.