الفرق دقيق بين إشاعة الخلافات الفقهية، التي نجدها في أقوال المعتبرين من الفقهاء ـ رحمهم الله ـ وبين تنشيط العقل للبحث عما يدلل على التفتح المذهبي، وتشجيع ما يخدم الناس في دينهم ودنياهم.

من أصداء مقالي السابق، رسالة إلكترونية يسأل مرسلها عن مسألة رمضانية معينة، فوجدتها فرصة للتعريج عليها من بعد، عالماً بأن التفصيل عنها، ليس هنا موطنه؛ والمسألة تناسب مقدمة هذا المقال بطريقة أو بأخرى؛ وهي عن الصائم الذي ينشئ سفره بعد طلوع الفجر، هل يشترط له إن أراد الإفطار أن يكون سفره قبل الفجر؟.

جواب ذلك هو أن جمهور الفقهاء قالوا إن المسافر الذي يجوز له الفطر في رمضان، لا بد من أن يطلع عليه الفجر وهو مسافر، وأن يكون سفره طويلاً - يزيد على (81 كم) - أما إن كان سفره قصيراً فلا يجوز له الفطر، وإذا طلع عليه الفجر وهو غير مسافر، وسافر بعده، فلا يجوز له الفطر عند الجمهور؛ وأجاز الإمام أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ الفطر للمسافر مطلقاً حتى لو كان السفر بعد الزوال، وأهم من هذا كله أن المسافر الصائم إذا لحقته مشقةٌ شديدة في السفر اضطرته للفطر، جاز له الإفطار اتفاقاً، سواء أنشأ السفر قبل الفجر أو بعده، وعليه قضاء يومه في أيام أخر.

أعود لمقدمة المقال لألفت الانتباه إلى مسألتين مهمتين يعاني منها كثير من المهتمين بالعلم الشرعي، وأقصد وقوعهم ضمن فريق (الجمود الفقهي) أو فريق (الإحياء الفقهي)، ولا شك في أن الفريق الأول بإصراره على الوقوف مع ظاهر الألفاظ، وبتعصبه لرأيه، وغلقه للاجتهادات المنضبطة أقل نفعاً للناس من الفريق الثاني، الذي تميز أصحابه بمزايا كثيرة، من أبرزها تذليل المصطلحات، ورفض النزعات النفسية، والاستعانة بثقافة العصر وعلومه المختلفة.

من أهم مطالب العصر اليوم توفر عقول باحثة، تستطيع ضم المسائل مع بعضها البعض، وتقدر على إيجاد الصلات بينها، وتعرف الخلافات المانعة من الجمع، وتفتح الباب للناس في أخذ الصالح لهم، وفي الوقت نفسه متمكنة من التوفيق بين الآراء المتعارضة، والأفكار المتضاربة؛ وسؤال المقال وجوابه دليل من الأدلة الحية على ضرر الجمود، وضرورة الإحياء.