مع كل الأزمات والظواهر التي تعصف بمجتمعاتنا، ثمة سؤال مهم يطرح: هل ترتكز الثقافة العربية على مقومات فكرية وقيم تجعلانها قادرة على بناء مشروع حضاري يكون فيه الإنسان المعتدل والواعي محوراً للانطلاق النهضوي؟ وفي كل مرة نواجه ذواتنا بالواقع، نتساءل: ما إذا كانت الثقافة العربية تفتقد إلى المعايير التي تؤهلها لبناء مثل هذا المشروع؟

المشكلة تكمن في أن الثقافة العربية غارقة في ذاتها، وتعاني الكثير من مظاهر الخلل التي تجعلها جامدة في وجه أي إصلاح أو محاولة لبلورة مشروع نهضوي، وما لم نتجاوز هذه الإشكالية فلن نستطيع الحديث عن أي إصلاح ثقافي قادر على قيادة إصلاح الأمة.

والثقافة العربية أيضاً ثقافة محدودة، تغيب عنها ثقافة النقد، الذي يمثل أحد أهم وسائل الارتقاء بكل النظم والمؤسسات والأفكار والممارسات، وهي أيضاً ثقافة يغيب عنها قبول الاختلاف الذي يعتبر سنة من سنن الحياة وأحد مقومات الوجود الإنساني على الأرض، كما تغيب عنها أساليب الحوار والتسامح بسبب ما مرت به بعض مراحل التاريخ العربي من فشل وإخفاقات.

أضف إلى ما تقدم وجود انفصام بين ما هو ثقافي وسياسي بعدما انحرفت الدولة العربية بعد الاستقلال نحو التسلط وحكم الفرد، وعجزت الأحزاب عن التجدد والانفتاح على تحولات الواقع، وقد أدى هذا الانفصام إلى أزمة ثقافية، لأن قصر نظر الدولة في فهمها وتعاملها مع الثقافة، أدى إلى بزوغ الثقافة الماضوية وانتشار المفاهيم المشوهة للثقافة العربية - الإسلامية.

وهناك أيضاً غياب إسهام المثقف في بناء المجتمع بسبب اعتقاد خاطئ من جانب بعض النخبة، مفاده أن الثقافة الرفيعة لا تلائم البسطاء، وأن الرجل العادي قاصر ينبغي ألا يخاطب خطاباً فكرياً أو ثقافياً، لأنه غير قادر على استيعاب سوى أنواع محددة من الخطاب، ونظرة الاستعلاء هذه خلقت فجوة بين المثقف والمواطن البسيط، الذي أصبح إلى حد كبير ينظر إلى الفكر والثقافة على أنهما نوع من الترف يخص الأغنياء فقط، ما أحدث الفصام بين القيادة الفكرية والقاعدة الشعبية.

لا شك في أن التشوهات في الثقافة العربية عديدة، ذكرنا بعضاً منها، وليس الغرض من طرحها جلد الذات وإنما إلقاء المزيد من الضوء، لعلّنا نستطيع الخروج من النفق المظلم. فقد حان الوقت لكي نتصدى لما يشوب جوانب ثقافتنا من أوجه قصور، ونستلهم رصيدنا الحضاري الثري حتى تتبوأ الثقافة المكانة التي تستحقها في الخط الأمامي باعتبارها قاطرة المواجهة وقائدة التغيير.