أكثر من 30 مليون يمني يعيشون في خطر محدق مع كل خطوة يخطونها، سواء كان اليمني طفلاً يلعب في الشارع، أو عاملاً يبحث عن رزقه، أو فلاحاً يحرث الأرض، أو حتى صياداً يسعى وراء رزق أسرته في البحر. هذا ما خلصت إليه تقارير دولية عدة، منها تقرير صادم لمنظمة أطباء بلا حدود التي حذرت من أن ثلث ضحايا ألغام الحوثي في اليمن من الأطفال.

وسط غابات كاملة من الألغام نشرتها ميليشيات الحوثي الانقلابية، واليمنيون يلقون الموت أو الإصابة في كل خطوة، فهناك آلاف الضحايا الذين وثّقت حالاتهم مؤسسات محلية ودولية، قتلوا أو أصيبوا بعجز دائم بسبب «زراعة الألغام».

وحسب المشروع السعودي لمكافحة ونزع الألغام (مسام)، فإن معدلات زراعة الألغام في اليمن هي الأكثر كثافة بين كل دول العالم، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية في 1945.

الإحصائيات المحلية والدولية تتفاوت في تقدير المساحات المزروعة بالألغام في اليمن، فبعضها يؤكد زراعة الحوثيين مئات الآلاف، وآخرون يرتفعون بالرقم إلى أكثر من مليون لغم أرضي وبحري، لكن المؤكد أن نشاط الحوثيين في هذا المجال أصبح «بصمة دم» تطبعها ألغام الميليشيا المصنعة محلياً بمعاونة خبراء، أو حتى المستوردة من إيران التي تحرك الميليشيا في اليمن، وفي النهاية يدفع المواطنون اليمنيون الثمن من أجسادهم بالإصابة، أو من أرواحهم بالوفاة.

في هذا الملف، ترصد «الرؤية» شهادات القابضين على جمر الحوثي، من مصابين وأسر شهداء، كل ما جنوه أنهم ذهبوا للبحث عن الرزق الحلال، فاصطادتهم ألغام الحوثيين العشوائية في الحقول والطرقات ولاحقتهم حتى في مراكب الصيد.

لم يكن للصياد اليمني البسيط، وهيب حسن، أحلام كثيرة، كل ما كان يحلم به هو «شبكة يثقلها السمك»، ورزق يكفي بناته الست وزوجته، وولده الوحيد ماجد. أحلامٌ بسيطة، ساقت وهيب وولده إلى البحر، فقرب الساحل الغربي لليمن، خرج الصياد وطفله إلى البحر بمركب صيدٍ سائلين الله الرزق، وخلفهم أسرة تنتظر «الفرج» الذي يأتي به رب الأسرة.

يسكن وهيب وأسرته في بيت مكون من سعف النخيل على شاطئ البحر، منازل بسيطة وأحلامٌ أبسط، لكن «غابات الألغام» الحوثية قررت أن تطيح بهذا كله.

لغم بحري، دمر مركب وهيب فصعدت روحه وولده إلى الخالق، ولم يعد للأسرة سوى أشلاء المركب، والمزيد من الألغام التي جرفتها الأمواج نحو الشاطئ بعدما قتلت أحلام أسرة كاملة.

الآن على ساحل الطَوّر غرب بيت الفقيه بمحافظة الحديدة غربي اليمن، تعيش أسرة وهيب المكونة من أم وست بنات، يتذوقن مرارة اليتم وقلة الحيلة.

* أيتام اللغم البحري

التقت «الرؤية» أسرة وهيب وعائلته وجيرانه. الأسرة تكتسي بالحزن، وتتحدث بصوتٍ خفيض وسط فيض من الدموع، عن المأساة التي دمرت حياتها في نوفمبر الماضي، وأوضاعهم المأساوية، حيث فقدت الأسرة كامل دخلها برحيل الوالد، وأصبحت حياة الأم والبنات اليتيمات تعتمد بشكلٍ كامل على تبرعات من أهالي القرية البسيطة، وبعض الدعم من الأهل.

تعيش الصغيرات رفقة والدتهن المنهكة في حالة نفسية معقدة منذ مقتل زوجها في كوخ تهامي تقليدي مبني من القش ومدعم ببعض من القضبان الخشبية، ولا يستطعن العمل في منطقة تتركز فرص العمل فيها في مجال الصيد، وبعض المهن الصغيرة التي لا تكاد تسد رمق اليتامى وأمهن.

تقول سهام ذات الاثني عشرة عاماً وهي الكبرى بين أخواتها «كل يوم أذهب إلى ساحل البحر، وأتفقد المكان الذي كان أبي دائماً يفرغ فيه الأسماك من المركب.. أجلس طويلاً أتذكره كل يوم وأبكي».

ترك وهيب خلفه سهام وأحلام ذات العشر سنوات، وإلهام ذات الثمانية، وأيضاً آمنة التي بلغت السادسة من عمرها، وملوك بنت الرابعة، وأخيراً إجمال التي أكملت عامها الأول في الحياة وبدأت عامها الثاني يتيمة الأب.

كلما تذكرت أحلام والدها داهمتها الدموع خلال اللقاء، أما الأم فجلست في ركن قصي وعينها على البحر الذي ابتلع زوجها وولدها ماجد، بعيون تلمؤها الدموع وفم مطبق.

محمد حسن شقيق وهيب، كانت لديه تفاصيل أكثر عن الكارثة التي حلت بالأسرة «الحوثيون يزرعون الألغام في كل وقت، وينشرونها في كل مكان، براً وبحراً، ونحن عائلة بسيطة للغاية، مهنتنا الصيد.. هذا ما نعرفه، وهذا ما يعرفه الحوثي، لكن معاناتنا لا تفهمها الألغام التي أودت بحياة شقيقي».

يضيف محمد «خرج وهيب ومعه ماجد ولده الذكر الوحيد بحثاً عن الصيد قبالة شاطئ الطور، كان يوماً عادياً جداً، وأملنا في الرزق كبير، لكن دوياً هائلاً اندلع فجأة عقب صلاة الفجر قادماً من البحر.. وقتها لم نكن نعلم ما حدث بالفعل».

بعد نصف ساعة من الانفجار الرهيب، ساور الأهالي القلق على وهيب، يقول محمد: «خرجنا إلى الشاطئ لنجد قطعاً من أحد القوارب تطفو على المياه، وما إن رأيت أشلاء القارب حتى عرفت أنه لأخي .. صرخت بأعلى صوتي منادياً على شقيقي.. لكن الموت كان قد خطفه للأبد».

ساعد أهالي القرية محمد وأسرة وهيب ليتمالكوا أعصابهم، ثم قرروا البحث عن وهيب وماجد في المياه «لم نجد جثمانه كاملاً.. عثرنا على أشلاء من وهيب وولده، وعرفت أنها جثة أخي حين وجدنا معصماً مبتوراً يحمل ساعته، أما ماجد فلم نتعرف إليه إلا حين وجد البعض «فروة رأس الصبي»، طافية في المياه».

يضيف محمد «لم أتمكن من دفن جثمان شقيقي وولده، فالأشلاء التي عثرنا عليها دفناها في الأرض، أما باقي الجثمانَين فهناك في قلب البحر».

* البحر الملغوم

تمثل الألغام البحرية المنجرفة التي نشرها الحوثيون بشكل كبير تهديداً حقيقياً للصيادين اليمنيين وخطوط الملاحة، بالذات، إذ تنتشر هذه الألغام في الشواطئ والسواحل اليمنية وتشكل خطراً على الصيادين ورواد البحر، وقد أتلفت قوات التشكيل البحري في الجيش اليمني منتصف يناير الماضي عشرة ألغام بحرية عثر عليها في إحدى الجزر على الساحل الغربي، إضافة إلى ذلك ثمة تجارب في تفجير الألغام البحرية بموانئ الحديدة، والتي قام الحوثيون بها مؤخراً في ميناء رأس عيسى النفطي الذي فجروا فيه ثلاثة ألغام بحرية، وقرية عرج الساحلية بالبحر الأحمر تحت إشراف القياديين الحوثيين محمد علي الحوثي وأبو علي الحاكم، حسب شهادات الأهالي.

* بصمة الدم

في مديرية الخوخة جنوب الحديدة، يجلس الطفل عبدالله محمد على الأرض، بساقٍ مبتورة وأخرى محطمة العظام، في زاوية خيمة مع أسرته التي تدعمها قوات التحالف بالمساعدات الإنسانية، ضمن اللاجئين.

يقول عبدالله «حتى الآن لا أستطيع تصديق ما حدث، كنت مع صديقي في مديرية الخوخة، لم نؤذِ أحداً قط، ولم نفعل شيئاً، فقط نعمل في الأرض ونساعد عائلاتنا، حتى انفجر اللغم».

يتابع عبدالله «اللغم الحوثي أطاح بقدمي وأصبحت مبتورة، أما الأخرى فإن شدة الانفجار هشمت عظام الساق فيها تماماً، أصبحت قعيداً لا أستطيع الحركة حتى داخل الخيمة، وأسرتي تساعدني كلما أردت التحرك، أما صديقي فقد سرق الانفجار حياته».

يحتاج عبدالله إلى اثنين من أسرته إلى جواره على الدوام، فهو عاجز بشكلٍ كامل عن الحركة «كنت أساعد أسرتي بالعمل، كانت لي أحلام كبيرة، لم أفعل شيئاً حتى يحولني الحوثيون إلى قعيد، وأحمل (بصمة الدم) على جسدي.. الآن أعيش حياتي جالساً على الأرض بقدم مبتورة، وساق مهشمة العظام، هذا ما فعلوه بي بألغامهم التي تقتلنا كل يوم».

أحلام عبدالله تركزت على شيء واحد «ساق صناعية .. أحلم بساق صناعية كي أتحرك، أريد أن أعود للزراعة مع أسرتي مرة أخرى، أريد أن أشعر بالحياة مرة أخرى»، يصمت عبدالله وتخنقه الدموع.

* مصائد الموت

لم يكن عبدالله الحالة الوحيدة التي دمرت فيها ألغام الحوثيين مستقبل أبناء اليمن. فهناك محمود عبده، الشاب الصغير الذي طالما كان سنداً لأسرته، حتى أنهى لغم حوثي أحلامه في انفجار آخر. يقول محمود «كنت أعمل في مجال البناء، أصب الخرسانة وأنقل الأسمنت ومواد البناء عبر شاحنة لأحد المقاولين المحليين، كانت أعمل لفترة طويلة، لكن أجري كان يذهب لمساعدة أسرتي، حتى أصابني لغم، فدمر ساقي واضطر الأطباء لبترها من الركبة للحفاظ على حياتي».

يضيف محمود «أصبحنا نعيش في جحيم، فكل يوم تقريباً نسمع أن الألغام الحوثية قتلت فلاناً، أوحولت فلاناً إلى قعيد، هذا هو ما تفعله بنا الميليشيات المدعومة إيرانياً، فالحوثي يتفنن في زراعة الألغام في كل شبر، يزرعها في الحقول والطرقات والمباني والمدارس، وهدفه أن يقتل المزيد من اليمنيين».

* خطر قاتل

وفي منتصف يناير الماضي أكدت منظمة هيومين رايتس ووتش في تقرير حقوقي أن ميليشيا الحوثي زرعت الألغام بكثافة في الساحل الغربي وتسببت بمقتل وجرح العشرات من اليمنيين، بينهم أطفال، مؤكدة أن «الألغام الأرضية الحوثية تقتل اليمنيين وتمنع وصول المساعدات لمن يحتاجونها بشدة».

وتعتبر الألغام الأرضية المضادة للأفراد من الأسلحة المحرمة دولياً، حسب اتفاقية أوتاوا 1997، وأطلقت الأمم المتحدة الحملة الدولية لحظر الألغام الأرضية، بمشاركة أكثر من 1400 منظمة غير حكومية، فضلاً عن مشاركة الحكومات، وبسبب جهود هذه الحملة الدولية حصل منسقها جودي ويليامز على جائزة نوبل للسلام.

أما بالنسبة لاتفاقية حظر الألغام المضادة للأفراد فيحظر القانون الدولي الإنساني استخدامها أو تصنيعها أو تخزينها، ويعتبر أن جميع ضحايا هذه الألغام من المدنيين يستحقون التعويض عما لحق بهم.

* جرائم

وقدّر تقرير حقوقي في مارس الماضي حقول الألغام التي نشرتها الميليشيا منذ بدء سريان الهدنة في الثامن عشر من ديسمبر الماضي بـ 37 حقلاً تمتد على مساحة 594 كيلومتراً في 17 مديرية في الحديدة. لافتاً إلى أن الألغام الحوثية قتلت في الفترة ذاتها 56 شخصاً، بينهم 20 طفلاً وسبع نساء، وأصابت 31 شخصاً، منهم تسعة أطفال، فيما حُوصر زهاء 800 ألف شخص في مناطق معينة على امتداد 17 مديرية في محافظة الحديدة بسبب الألغام الحوثية. مقدراً خسائر القطاع الاقتصادي في الحديدة بمليارَي دولار بسبب الألغام الحوثية التي نُشرت في 93 منشأة صناعية بالحديدة.

وبات اليمن أكثر بلد يعاني من الألغام في العالم، إذ لا تخلو أي مدينة أو محافظة وطأتها أقدام الميليشيات الحوثية من مخاطر الألغام، ورغم الجهود التي يبذلها التحالف والجيش اليمني لنزع الألغام، والتي حققت نجاحاً مثمراً، فإن التهديد من وراء هذه الألغام ما زال قائماً بسبب كثافة الألغام وتعدد أشكالها وأنواعها وانتشارها على مساحات شاسعة في البلاد بطرق عشوائية دون خرائط إيضاحية.