يرتكب كثيرٌ من المسؤولين حول العالم أخطاءً فادحة، جرّاء التصريحات الصحفيّة المتسرعة.. فما إن يقع أي حادث أو يجرى الإعلان عن أيّ تطوّر، حتى تنطلق التعليقات الرسمية تصف ما جرى وتبدي الرأي بشأن دوافعه ومغزاه.

تميل الحكومات الأكثر كفاءة إلى ضبط التصريحات، وتوجيه التعليمات إلى المسؤولين بعدم إبداء الآراء، والاكتفاء عند الضرورة بعبارات محايدة من نوع: «نتابع الموقف عن كثب».. «الوقت لا يزال مبكراً للحديث عمّا يجري».. «نتطلع إلى أن تكون الرؤية أكثر وضوحاً، وسوف نتحدث في الوقت المناسب».

ثمّة نصيحة ثمينة يقدمها وزير الدفاع الأمريكي الأسبق روبرت غيتس بشأن التعليق الرسمي على المعلومات الأوليّة التي ترِد من مسرح الأحداث.. يقول غيتس: «يجب أن يتعلم المسؤولون أن التقارير الأوليّة في أيّ موقف غالباً ما تكون غير دقيقة، لذلك يجب على المسؤول ألّا يأخذ بها، وأنْ ينتظر».

إن السبب الرئيس في معضلة «التقارير الأوليّة» يتأتّى من وسائل الإعلام، حيث يتسابق الصحفيُّون بسرعة مذهلة للحصول على أيّ معلومات أو تعليقات بشأن الأحداث، ونتيجة الإلحاح الصحفي الذي يفوق الاحتمال.. يرضخ المسؤولون ويبدؤون الحديث.

ربما يعتمد المسؤولون على معلومات الصحفيين - بشكل حصريّ - في إبداء وجهات نظرهم وإعلان مواقفهم، وهنا تأتي النصيحة الثانية من روبرت غيتس: «يجب أن يتعلم المسؤولون مقاومة ضغوط الإعلام.. الإعلام يضغط دائماً، ويطلب التعليق على الفور قبل معرفة ما يدور.. لا ينبغي فعل ذلك أبداً».

كان روبرت غيتس مديراً لـ «CIA» أثناء وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وكان وزيراً للدفاع بعد ثلاث سنوات من الغزو الأمريكي للعراق، وقد وجد نفسه مسؤولًا عن حرب في العراق وأخرى في أفغانستان.

نشر روبرت غيتس مذكراته في كتاب مهم بعنوان «الواجب.. مذكرات وزير حرب» وفيه امتدح جو بايدن نائب الرئيس أوباما والمرشح المحتمل للانتخابات الرئاسية الأمريكية 2020، لكنه فاجأ العالم بشهادته حول الموقف الأمريكي من تنظيم القاعدة في العراق، حيث اتهم روبرت غيتس كلاً من باراك أوباما وهيلاري كلينتون بالصمت الإرادي إزاء تمدّد تنظيم القاعدة في العراق.

يقول روبرت غيتس: «اعترفت هيلاري كلينتون أمامي وأمام الرئيس أوباما بأنها عارضت خطط زيادة عدد القوات الأمريكية في العراق لمواجهة تنظيم القاعدة لأسباب سياسية، وحين علق أوباما على كلامها كان مؤيداً، وقد شعرت بالمفاجأة لسماع هذا الاعتراف منهما».

لقد أدّى نشر هذا الجزء من كتاب غيتس إلى حملة هجوم واسعة على هيلاري كلينتون، واتهمت جماعة «أوقفوا هيلاري» الوزيرة الأمريكية بالخداع، وبتقديم مصالحها الشخصية على مصالح وأمن الأمريكيين.

المفاجأة الكبرى في كلام غيتس أنه كان وزيراً للدفاع، ولم يعرف بذلك الأمر، وهو ما يجعل السياسة الدولية أمراً غامضاً ومعقَّداً من دون حدود.

من المؤسف حقّاً في ظل هذا العالم كثيف الحسابات وشديد التناقضات.. أن يعتمد الساسة أو المحللون على ما يوصف بـ «التقارير الأولية»؟.