علم التربيـــة من أكثر العلوم الجدليـــة، ذلك لأن العلماء والفلاسفة والمفكريــن اختلفوا على مرّ العصور في إيجــاد تعريف دقيق له يمكن الركون إليه، ويرجع الاختلاف بين العلماء فيما يتعلق بتعريف علم التربية، لكونه مرتبطاً بالإنسان من حيث المفهوم، وفلسفة الحياة، والمعتقدات الدينية، والموروثات والتقاليد والعادات، والأيديولوجيا وقضايا المعرفة بشكل عام.

وإذا كان الإنســان هو المحور الأساسي في علم التربية وهو محل خلاف لجهة تعريفه، فإن ذلك يشكل أيضاً خلافاً كبيراً بين العلم والدين، حيث ينظر العلم إلى الإنســان على أنه نتيجة عمليــة طويـــلة من التطور، وأن الفرق بين الإنسان والحيوان في الدرجة وليس في النوع، أما الدين فينتهي إلى تعريف الإنسان على أنه نتاج عملية الخلق، الذي هو فعل إلهــي، وهذا الاختلاف في تعريف الإنسان يأخذنا إلى صلب القضايا الخاصة بالحيــاة، وكيفية العيش فيها.

هنا تطرح عدة تساؤلات، منها: هل التربية تكيّف وتفاعل الإنسان مع بيئته أم هي التأثيرات التي تؤثر على جميع جوانب الشخصية ة ودفعها إلى الكمال؟، وهل التربية تعني نقل المعرفة وصناعة الإنسان واستمراريته وبقائه على قيم أخلاقية أو اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية؟

لنتأمل السلوك الإنساني منذ بدء الخليفة، أو كما جاء في الكتب السماوية، ومنها القرآن، ففي القصص القرآني نجد قصة قتل أخ لأخيه (قتل قابيل لهابيل كما في اليهودية والمسيحية)، وكذلك قصــة إخوة يوسف عليه السلام، وقصة ابن النبي نوح عليه السلام، وقتل الخضـــر للغلام في سورة الكهف.. هذه الوقائع القرآنيــة تنسف جميــع نظريات علم التربية فلا الأنبيــاء المعصومـون ولا الوالدان الصالحان، ولا الأسرة ولا المجتمع الفاضل نجحوا في تربية أبنائهم وهذا لا يعيبهم، وكذلك نرى أنّ الكفار والملحدون أنجبوا أبناء أنبياء وصالحين وهذا لا يشرفهم.

ولو أخذنا من بين النماذج الواردة في القرآن ـ الدالة على السلوك البشري وعلاقته بالتربية ـ مسألة قتل الخضر للطفل الذي كان سيرهق والديه طغياناً وكفراً، لنطرح السؤال الآتي: هل الحل هو القتل على الرغم من صغر سن الغلام؟.. ولماذا ليست التربية؟ يقول الفيلسوف الأرلندي فرانسيس هتشسون: «إن الوصول إلى السمو الأخلاقي والتربوي لا يحتاج إلى العقل والذكاء أو التعلم، وكذلك معرفة الخير والشر».. ومن هنا نرجع إلى السؤال الصعب السهل: هل الإنسان مخيـــر أم مسيـــر؟.. وسيظل الإنسان يبحث عن الإجابة ما بقي على قيد الحياة.