سيارة تلتهمها النيران على حلبة نوربورغرينغ الألمانية عام 1976.. صورة مطبوعة في الذاكرة، تلتها قصة عودة مذهلة إلى عالم السباقات والألقاب، تختصران مسيرة بطل العالم السابق للفورمولا1 النمساوي نيكي لاودا الذي توفي ليل الاثنين عن عمر 70 عاماً.

حتى هذا الحادث المروع لم يتمكن من «إذابة» الإرادة الجليدية الصلبة لبطل العالم 1975، فعاد بشبه معجزة للفوز بلقبين إضافيين وتحول لاحقاً إلى رجل أعمال ناجح مؤسساً شركتي طيران. قبل عام من حادثه المشؤوم، أحرز لاودا لقب بطولة العالم للمرة الأولى على متن سيارة فيراري، وكان يتصدر ترتيب السائقين في الأول من أغسطس 1976، عندما انحرفت سيارته عن المسار لأسباب مجهولة، واصطدمت بالحواجز واشتعلت فيها النيران على الحلبة الألمانية الشهيرة التي كانت بطول 22.8 كلم، وعرفت باسم «الجحيم الأخضر» لكثرة الحوادث التي كانت تشهدها. بقي لاودا محاصراً وسط النيران قرابة دقيقة قبل أن يعمد سائقون إلى سحبه بعدما توقفوا لإنقاذه، وخاطروا بحياتهم إثر اشتعال بزاتهم الرياضية المقاومة للنيران، بسبب الحرارة المرتفعة. انتشرت في أنحاء العالم صور الحادث المروع الذي أتى بعد أيام فقط من تحذير لاودا في مقابلة صحافية من أنه «في نوربورغرينغ، في حال كانت سيارتك تعاني من مشكلة، فأنت ستلاقي حتفك 100 في المئة»، نظراً لأن الحلبة كانت تعتبر من الأصعب في جدول بطولة العالم.

روح قتالية

بعد نحو ستة أسابيع من اقترابه من شفير الموت، صدم لاودا عالم رياضة السيارات بعودته للمشاركة في جائزة إيطاليا الكبرى على حلبة مونزا. لم تحل الضمادات على وجهه ويديه بعد تعرضه لحروق راوحت بين الدرجتين الأولى والثالثة، وتنشق غازات سامة سببت ضرراً دائماً في رئتيه، دون حلوله في المركز الرابع.

بعد السباق، كتب أحد الصحافيين في تقريره عن صدمته لرؤية لاودا بعد السباق ينزع ضمادات يغطيها الدم عن فروة رأسه. في ذلك العام، غاب «الناجي» لاودا عن سباقين فقط وحافظ على تقدمه بفارق ثلاث نقاط قبل الجولة الختامية في اليابان في صراع الرمق الأخير مع البريطاني جايمس هانت (ماكلارين)، غير أن لاودا انسحب من سباق حلبة فوجي بعد لفتين بسبب الأمطار الغزيرة معتبراً أنه من غير الآمن الاستمرار في التسابق، ليتوج هانت بطلاً للمرة الوحيدة في مسيرته. الصراع المحموم بين السائقين والذي عكس الشجاعة الاستثنائية للسائق النمساوي وروحه القتالية، شكل محور فيلم «راش» للمخرج الأمريكي رون هوارد عام 2013. في العام التالي (1977) أحرز لاودا لقبه العالمي الثاني مع فيراري، قبل عامين من اعتزاله بحثاً عن تحقيق شغفه الثاني الطيران المدني. عاد مجدداً إلى حلبات التسابق عام 1982، وهذه المرة مع فريق ماكلارين الذي أحرز معه لقبه الثالث والأخير عام 1984.

مغازلة الجدل

لم يتمكن لاودا الذي اشتهر بقبعته الحمراء التي كانت تخفي الندوب على وجهه ورأسه من جراء الحادث من البقاء بعيداً عن الفورمولا 1، فعمل كمعلق تلفزيوني وكمستشار لفيراري خلال حقبة التسعينات، وشغل منصب المدير العام لفريق جاغوار في بداية الألفية الثانية، قبل أن يتولى منذ 2012 حتى رحيله منصب الرئيس غير التنفيذي لمرسيدس.

بشخصيته الصريحة والثقة الكبيرة بالنفس، أزعج لاودا بعض المحيطين به في الفورمولا 1 وفي عالم الأعمال، بسلوك لا يقبل المساومة، ولكن خبرته وصدقه الجارف أكسباه الاحترام من قبل أولئك الذين أدركوا أخلاقيات عمله وعقله التحليلي واستعداده للتعلم من الأخطاء.