زار شاعر الهند الكبير طاغور مصر في الأسبوع الأول من ديسمبر سنة 1926، وأقام له أحمد شوقي حفل استقبال في بيته «كرمة بن هانئ» على نيل القاهرة، ودعا إليه كبار الشخصيات وأعيان المصريين من مثقفين وسياسيين، ومن كثرة المدعوين أجّل سعد زغلول جلسة مجلس النواب وكان رئيساً له، حتى يتسنَّى لأعضاء المجلس المدعوين أن يشاركوا في الحفل.

كان طاغور حاصلاً على جائزة نوبل في الآداب منذ سنة 1913، ويعد أحد حكماء وفلاسفة الإنسانية في زمانه إلى يومنا هذا، وكان شوقي «بك» أمير الشعراء، رائد مدرسة الإحياء والتجديد، حيث قدم المسرح الشعرى، من خلال أعماله مثل «كليوباترا».. «ليلى والمجنون» وغيرهما، فضلاً عن الشوقيّات.

وفي اللقاء بين الشاعرين عبَّر شوقي عن غبطته لمقابلة زميله، وأنه يعتبر طاغور محظوظاً لأن جمهوره أكثر من 300 مليون، والهند بلد واسع جداً، لكن طاغور رد - كما روى حسين نجل أحمد شوقي - بأنه يعتبر شوقي هو المحظوظ؛ لأن جمهوره هم كل العرب، في مصر وخارجها، وهؤلاء جميعاً يتحدثون لغة واحدة هي اللغة العربية، أما في الهند فكل مقاطعة أو ولاية لها لغتها الخاصة، بل هناك أكثر من لغة محلية في بعض الولايات، ومن ثم فإن جمهوره الحقيقي لا يكاد يصل إلى عشرة ملايين نسمة.

وكان طاغور محقاً، فالمبدع العربي محظوظ لأنه يمكن أن يُقْرَأ من المحيط إلى الخليج، وهكذا فإن أعمال نجيب محفوظ وطه حسين والعقاد وأحمد أمين؛ فضلاً عن مي زيادة والطيب صالح ونزار قباني وسعدالله ونوس وواسيني الأعرج وعبدالرحمن منيف.. هؤلاء جميعاً كتبهم معروضة على أكثر من 300 مليون نسمة.

وقبل عشرات السنوات كان يمكن لأحد المبدعين أن يشكو صعوبة دخول أعمالهم إلى بعض البلدان العربية، ومع ثورة الاتصالات والشبكة العنكبوتية بات مستحيلاً منع أي عمل من دخول أي قرية عربية وليس عاصمة؛ فإن لم يصل المبدع تكون مشكلته هو وما يقدمه.

قبل 93 عاماً كان شاعر الهند وفيلسوفها طاغور منتبهاً إلى أهمية اللغة العربية في ربط بلداننا ومجتمعاتنا، واعتبرها طه حسين الأساس الأول لبناء وتكوين الأمة العربية، فهل نحن منتبهون اليوم؟