بعد القراءات المتأنية حول ظاهرة العولمة، ومراحلها وانعكاساتها الإيجابية والسلبية، سواء على الصعيد المحلي أو العالمي، نجد أن ما تحدثه من تغييرات جذرية في سلوكيات الأفراد والمجتمعات، هو ما يُسمى بعولمة التنوع وما تحمله من صور في التنوع التاريخي، والتنوع الديني، والتنوع الثقافي والفكري، والتنوع الاجتماعي، والتنوع الاقتصادي.. والكثير من صورها وأشكالها القديمة والحديثة منذ بدايتها حتى زمننا هذا.

ولا سيما أن هذا التنوع أساسي للحالة الإنسانية التي من شأنها أن يزداد الترابط بين الشعوب والبلدان، لتشمل عنصرين متصلين هما: فتح الحدود الدولية أمام التدفقات السريعة المتزايدة للأفراد والمعرفة والأفكار، والإنتاج للسلع والخدمات وغيرها، وإحداث التغيرات في السياسات والتشريعات على المستوى المحلي والعالمي التي تعمل على تحفيز هذه التدفقات لتحقق مجرياتها التنموية على الشعوب والبلدان اقتصادياً وسياساً واجتماعياً وثقافياً.

ومن أجل تنوع أخلاقي إنساني عالمي متقدم، لا بد من تبني قيم السلام والتسامح التي تُبنى على أساسها ثقافة الفرد في الأسرة والمدرسة والشارع والدولة؛ فالتسامح بكل أشكاله المتمثلة في الانفتاح والتعايش السلمي والتقبل الثقافي والاجتماعي للآخر، كلها دعائم أساسية لتحقيق إيجابية عولمة التنوع بين الأفراد والمجتمعات؛ ملخصها يؤكد أهمية تبني قيم التسامح - احترام الآخر - في عصرنا الحالي وما نعايشه من تغيرات متسارعة بين إحداثيات عولمة التنوع، والتي تُحفز الدول والحكومات والقيادات على ضرورة تبني صور وأشكال هذه العولمة ومواكبة مستجداتها، وتشجيع شعوبها على أهمية التبني والتفاعل على مقتضياتها بما يحقق الأمن والسلام والتعايش الثقافي والسلمي بينها؛ لتُحفز بذلك الأفراد في تقبل عولمة التسامح والتفاعل معها لتنعكس قيمها على سلوكياتهم، محققين بذلك مستوى عالياً من الرضا وتقدير الذات، كما وتُحفز الآباء على الرغبة في غرس هذه القيم في أطفالهم، ليجعلوا منهم أفراداً قادرين على التفاعل مع الآخرين على الرغم من اختلافهم من دون تعصب أو نكران.

وبشكل عام؛ فإن عولمة التسامح بجميع أشكالها وأنواعها تبدو قادرة على تشكيل القيم والأخلاق والمبادئ السليمة للفرد والمجتمع، بطرق تعتبرها الغالبية مرغوبة وضرورية ومسؤولية مُتطلبة من متطلبات حياة الأفراد والمجتمعات، كالاحترام المتبادل، ومعايشة وتقبل الآخر.. وهذا قد يجعلنا نتذكر مقولة الروائية ماري آن إيفانس المعروفة باسم جورج إيليوت: «إن مسؤولية التسامح تقع على من لديهم رؤى شاسعة وأفق أوسع».