كثيراً ما نرجو سماع تلك الكلمة ممن نسأله عن شيء، ويفتينا بغير علم، ثم نكتشف أنه أضلنا وأبعدنا عن غايتنا، ومن المؤسف شيوع الفتيا بغير علم في كثير من شؤون حياتنا، وكأن تصريح المرء بأنه لا يدري يُعَدّ نقيصة أو عيباً! والحقيقة إن من يتصف بالعلم ورجاحة العقل والثقة بالنفس هو القادر على التصريح بلا أدري، وليس هذا غريباً على أفضل الخلق عند الله، فإن خير المرسلين محمداً صلى الله عليه وسلم كان إذا سُئل ولم يعلم الإجابة، قال: لا أدري، ثم يسأل جبريل عليه السلام، وإذا كان جبريل لا يعرف سأل الله تعالى ليجيبه فيبلغ رسولنا بالرد، وقد صح في الحديث أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْبُلْدَانِ شَرٌّ؟ فَقَالَ: «لَا أَدْرِي» فَلَمَّا أَتَاهُ جِبْرِيلُ عليه السلام قَالَ: «يَا جِبْرِيلُ، أَيُّ الْبُلْدَانِ شَرٌّ؟» قَالَ: «لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ» فَانْطَلَقَ جِبْرِيلُ عليه السلام ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: «يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ سَأَلْتَنِي أَيُّ الْبُلْدَانِ شَرٌّ؟ فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ أَيُّ الْبُلْدَانِ شَرٌّ؟ فَقَالَ: أَسْوَاقُهَا». (أحمد)

والملائكة رضوان الله تعالى ثبت عنهم ذلك قال تعالى: «فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ* قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ» (البقرة)

وكم من مفتٍ أفتى الناس بغير علم فأضلهم وأضرهم وباعد بينهم وبين دينهم، ولو أنه نظر في تاريخ علماء الأمة الثقات لوجد منهم مالك بن أنس رضي الله عنه يسأله أتباعه عن ثمان وأربعين مسألة، فيجيب في اثنتين وثلاثين منها بـ: لا أدري، وعن خالد بن خداش، قال: قدمت على مالك بأربعين مسألة، فما أجابني منها إلا في خمس مسائل.

لذلك قال العلماء إنَّ (لا أدري نصف العلم).. نعم نصف العلم، فالعلم قسمان: أدري، ولا أدري، فمن قال واحدة منهما فهي نصف العلم، وأوصى العلماء أن يعلمها طلابهم لتكون أصلاً يفزعون إليه عند عدم معرفتهم بالحكم، وعندما جُرِحَتْ رأس رجل، فسأل من معه هل له رخصة في التيمم؟ فأفتوه: لا، فلما اغتسل مات، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال مستنكراً: «قَتَلوهُ قَتَلَهُمُ اللهُ، ألا سألوا إذْ لم يَعلَموا، فإنما شِفاءُ العِيّ السُّؤالُ، إنما كانَ يكفيهِ أن يَتَيَمَّم..» أي إن شفاء الجهل السؤال والمعرفة.