يبدو أن الطريقة التي يتصل بها البشر بشبكة الإنترنت على وشك أن تتغير بطريقة جذرية.

منذ يومين، نجحت شركة «سبيس إكس» التي يملكها رجل الأعمال الشهير «إيلون ماسك» في إطلاق صاروخ الشركة «فالكون 9» وهو يحمل حزمة مكونة من 60 قمراً صناعياً صغيراً لوضعها في مدار منخفض بالقرب من الأرض في أولى خطوات إنجاز شبكة «ستار لينك» لتوفير الإنترنت للأرض انطلاقاً من الفضاء.

هذه الشبكة عند اكتمالها من المتوقع أن تتكون من 12 ألف قمر صناعي توفر تغطية اتصالات لكل نقطة على وجه الأرض.

حزمة الأقمار الأولى التي تتكون من 60 قمراً، يبلغ وزن كل منها 227 كيلوغراماً، وعملية الإطلاق للمدار تتم عبر صاروخ «فالكون 9» الذي تملكه شركة «سبيس إكس»، والذي قام بالعديد من الرحلات الفضائية السابقة لوضع الأقمار في المدارات المختلفة لصالح شركات تجارية مختلفة، ويخطط «ماسك» لإطلاق مجموعة أقمار جديدة في رحلات شهرية للصاروخ على مدى العامين المقبلين لاستكمال الشبكة الفضائية.

الفكرة العامة لتلك الشبكة، تتلخص في تثبيت 12 ألف قمر صناعي صغير على مدار قريب جداً من سطح الأرض، واختيار المسافة التي ستعمل منها تلك الأقمار يأتي بهدف تسريع الاستجابة لطلبات المستخدمين، وتوفير سرعة نقل عالية، إضافة إلى توفير اتصالات صوتية وبصرية رخيصة بطريقة قادرة على منافسة جميع أسعار الاتصالات الحالية، أما بالنسبة للمستخدم فلن يكون بحاجة إلى تجهيزات خاصة أكثر من جهاز صغير للاستقبال لا يزيد ثمنه حالياً على 200 دولار أمريكي، إضافة إلى الاشتراك مع «سبيس إكس»، والتي تعد هي الأخرى بأسعار رمزية.

ومن المفترض، أنه بعد تثبيت الأقمار في المدار، فإن كلاً منها سيتواصل مع أربعة أقمار باستخدام أشعة الليزر، أثناء دورانها جميعاً مع الأرض لتكتمل شبكة التغطية، حيث ستطلق تلك الأقمار عدة موجات إلكترونية قادرة على توفير الاتصال عريض النطاق بسرعة هائلة في جميع الأوقات وجميع الأماكن.

ومن أجل نقل الأشعة إلى سطح الكرة الأرضية، ستبرز الحاجة أيضاً إلى وجود شبكة ضخمة من المحطات الأرضية، وعلى الرغم من أن رقم 12 ألف قمر صناعي يبدو كبيراً للغاية إلا أنها في الواقع ستكون جزءاً صغيراً من الشبكة التحتية التي يتعين على «سبيس إكس» تشييدها.

بطبيعة الحال فإن مشروع «ستار لينك» سيتم تنفيذه على عدة مراحل، ولكن من المتوقع أن تبدأ الشركة في توفير الخدمات لبعض المناطق خلال فترة لا تتجاوز عاماً واحداً، أما اكتمال التغطية على مستوى الكرة الأرضية فمن المتوقع أن يحدث بحلول عام 2027.

وتخطط الشركة لتثبيت 8000 من أقمار الاتصالات على مدار يرتفع نحو 500 كيلومتر عن سطح الأرض، بينما تخطط لوضع 4000 قمر آخر في مدار أكثر ارتفاعاً يصل إلى 1200 كيلومتر من سطح الأرض.

ما هو الإنترنت الفضائي؟

لكي ندرك الأبعاد الكاملة لهذا المشروع الطموح، علينا أن نفهم ماهية الإنترنت الفضائي، وهو ببساطة توفير إمكانية الاتصال بشبكة الإنترنت باستخدام قدرات الأقمار الصناعية، وهذه التقنية في حد ذاتها ليست اختراعاً جديداً، حيث توفر العديد من الشركات خدمات الإنترنت الفضائي، ولكن ما يحدث حالياً هو أن أقمار الاتصالات تقع في مدار ثابت بالنسبة للأرض على بعد آلاف الأميال من سطح الأرض فوق خط الاستواء، وبما أن هذه الأقمار ثابتة في مكانها فإن نطاق تغطيتها محدود بمنطقة جغرافية معينة.

كما أن موقعها البعيد عن سطح الأرض يعني وجود تأخير في الاستجابة للطلبات بنحو ثانية أو أكثر، وهو الأمر المؤثر في سرعة استخدام الإنترنت.

أما سرعة الاتصال الحالية فهي بطيئة للغاية مقارنة بأي خدمة أرضية، على سبيل المثال توفر شركة «إيريديوم» سرعات بيانات تصل إلى 2.4 كيلوبت في الثانية، سترتفع بشكل كبير قريباً لتصل إلى 512 كيلوبت في الثانية، وهي بطبيعة الحال بطيئة للغاية، كما أنها أعلى سعراً بكثير، وفي الحقيقة لا يتم استخدام هذه الخدمات إلا عبر الشركات أو الأجهزة الحكومية التي تحتاج إلى الربط مع مناطق نائية ومعزولة من العالم (مثلاً سفن الحاويات والعلماء في القطب الجنوبي)، ولا تستخدم على نطاق واسع للمستخدم العادي.

أما مشروع «ستار لينك» فهو يتجاوز تلك المشاكل، حيث إن أقماره أقرب إلى الأرض بمقدار 65 مرة من أقمار الاتصالات الحالية، كما أن بمقدوره توفير سرعات تبلغ 10 جيغا بايت في الثانية، وهي سرعة تتجاوز أسرع شبكة ألياف ضوئية على الأرض حالياً.

هذا المشروع الهائل، على الرغم من قيمته التي لا تنكر للبشرية، يتضمن أيضاً فرصاً اقتصادية هائلة للشركة المنفذة، وإذا كان بمقدورها أن تعرض خدمة بسرعة 10 جيغا بايت في الثانية لكل شخص على الكوكب بأسعار تنافسية، فالمؤكد أن هذا سيؤدي إلى انهيار مزودي الخدمة الحاليين وتحولها إلى مزود عملاق للخدمة.

أضف إلى ذلك حقيقة أن هناك 50 في المئة من البشر ليس لديهم اتصال بالإنترنت أصلاً وهم عملاء محتملون، وهذه الأسباب مع ضخامة المشروع كانت السبب الأساسي وراء تطوير قدرات إطلاق الصواريخ في شركة «سبيس إكس».

وبينما تدور توقعات الخبراء حول أن تكلفة «ستار لينك» قد تتجاوز عشرة مليارات دولار، إلا أن الكثير من التوقعات تذهب إلى أنه بحلول عام 2025 سيكون باستطاعة تلك الشركة تحقيق إيرادات تصل إلى 30 مليار دولار كل عام، وهي الإيرادات التي ربما تسمح لإيلون ماسك باستكمال خططه الأسطورية لإطلاق السفن إلى المريخ.

متى ستعمل الشبكة؟

أول مجموعة من أقمار الشبكة، والتي يبلغ عددها 60 قمراً انطلقت بالفعل، ولكنها لن تتمكن من تقديم الكثير من الخدمات، ويقول إيلون ماسك إنه من المحتمل أن يكون هناك الكثير من الأخطاء في عمليات الإطلاق الأولى، كما سيتم إطلاق ست مجموعات تالية كل منها تضم 60 قمراً صناعياً لتقديم تغطية محدودة، إضافة إلى 12 قمراً لعمليات الإدارة، وهذا الأمر يعني 12 انطلاقاً للصاروخ «فالكون 9»، ولكن هل تمتلك الشركة عدداً من الصواريخ يكفي لإطلاق آلاف الأقمار؟ والإجابة هي نعم، حيث وسعت الشركة قدراتها التصنيعية إلى إنتاج 40 صاروخاً سنوياً استعداداً لطفرة تجارية فضائية لم تحدث على الإطلاق، ولكن الشركة سوف تستخدم هذه القدرات في نشر شبكتها من الأقمار الصناعية للإنترنت.

هذا الوضع يوضح سبب قرار شركة «سبيس إكس» بالإسراع في إطلاق أقمار «ستار لينك»، ولكن في كل الأحوال فإن المجموعة الأولى من أقمار الإنترنت لن تتجاوز أن تكون مجرد اختبار لموقف الشبكة بأكملها، حيث لن ترتبط هذه الأقمار سوياً بأشعة الليزر وسيكون عملها نوعاً من الاختبار للتواصل بين الأقمار الصناعية والمحطات الأرضية.

فكرة الإنترنت الفضائي تجتذب اهتمام الكثير من الشركات الأخرى إضافة إلى «سبيس إكس» لتقديم ما يطلق عليه اسم «إنترنت المستقبل»، وعلى الرغم من أن المشاريع الأخرى لا تصل إلى طموح «ستار لينك» إلا أن التوقعات تشير إلى غزو الإنترنت الفضائي للعالم قريباً، فهناك مثلاً مشروع «ون ويب» الذي تشارك فيه عدد من الشركات التقنية والمالية، والذي يستهدف إطلاق 640 قمراً صناعياً من خلال 21 عملية إطلاق مختلفة لتكوين شبكة عالمية بحلول عام 2020، والتي قامت بإطلاق 12 قمراً منها بالفعل.

«مشروع كيبر»

هناك أيضاً مشروع تطرحه شركة أمازون ويحمل اسم «مشروع كيبر»، والذي يستهدف نشر 3236 قمراً صناعياً لإنشاء شبكة إنترنت دولية سريعة عريضة النطاق بحلول 2021.

وتلك المشروعات تؤكد نقطتين: الأولى هي الطموح الكبير الذي تمتلكه «ستار لينك»، أما النقطة الثانية فهي أن ستار لينك لن تكون وحدها في الملعب.