يقول المفكر والخبير البروسي في الاستراتيجيات العسكرية كارل فون كلاوزفيتز: «الحرب هي استمرار للسياسة ولكن بوسائل أخرى»، والآن، تشهد السياسة الدولية في منطقة الخليج العربي تحولها التدريجي الذي يجعل من العسير التمييز بينها وبين الحرب.

ومنذ مطلع الشهر الجاري، بدأت الولايات المتحدة بالفعل بإرسال حاملة طائرات وأسطول دعم مجهز بطائرات قاذفة وصواريخ باتريوت إلى الشرق الأوسط، وفي 17 مايو الجاري، أفادت تقارير تناقلتها وسائل إعلام خليجية بأن الولايات المتحدة اقترحت نشر قوات عسكرية في مياه الخليج العربي وعدد من دول مجلس التعاون الخليجي، ولقي الاقتراح القبول من عدّة حكومات خليجية، وفي اليوم التالي، دعَت السعودية إلى عقد قمة خليجية في 30 مايو الجاري بحيث تتزامن مع انعقاد قمة عربية وأخرى للدول الإسلامية.

ويوم 22 مايو الجاري، ذكرت تقارير أن وزارة الدفاع الأمريكية تدرس طلباً بإرسال 5000 جندي إضافي إلى الشرق الأوسط، ويبدو أن ذلك يمثل خطوة جادّة لبناء قوة رادعة في القطاع الجنوبي من الخليج ضدّ إيران ووكلائها في المنطقة، وربما أن التوتّر سيزداد حدّة خلال الأشهر المقبلة، والعالم ينظر بترقب وقلق للأوضاع الراهنة في الخليج.

نحن نجهل تماماً ما يدور في عقل الرئيس دونالد ترامب، وما الذي يتوقعه قادة الخليج، ونجهل أيضاً ما هي الخطط التي أعدّها الحرس الثوري الإيراني للخداع وإثارة الفوضى والاضطراب، ولا نعلم كيف ستشارك إسرائيل بشكل مباشر في المواجهة المحتملة مع إيران!.. شيء واحد نعرفه، هو: في كل الحروب السابقة التي شهدها الخليج، كان ميداناً لاختبار التكنولوجيات والأدوات والتكتيكات الجديدة.

في حرب الخليج عام 1990، ظهرت الصواريخ الموجهة بدقّة عالية، وأصبحت أخبار الحروب تُنقل مباشرة عبر أجهزة التلفزيون عن طريق الأقمار الاصطناعية، وشهدت حرب الخليج الثانية التي أطاحت بنظام صدام حسين عام 2003، التنفيذ الكامل لنتائج الثورة الجديدة في إدارة الحملات العسكرية، والتي تعتمد أساساً على تكنولوجيا المعلومات المتطورة، وتُعتبر بداية لعصر الحروب الشبكية في القرن الحادي والعشرين.

وانتصرت الولايات المتحدة في حرب العراق، ولكنها سجّلت هزيمة ساحقة في سياسة إعادة الإعمار، وخاصة بعد أن وجدت نفسها في مواجهة العديد من اللاعبين غير الحكوميين، الذين تمكنوا من تطوير تكتيكات جديدة تندرج ضمن أساليب وقواعد حرب العصابات في القرن الحادي والعشرين، والتي تحولت بدورها إلى حرب شبكية ولكنها لا تعتمد على أنظمة مرتفعة التكاليف بل على شبكة الإنترنت المدنية، وهي عصابات مسلحة بالأحزمة الناسفة المصنوعة من مواد بسيطة ومتوفرة على نطاق واسع.

وحتى الآن، لا نعلم ما إذا كنا سنشهد حرباً حقيقية هذه المرة، ولكنّها لو حدثت، فسوف يكون تمييز الحدود الفاصلة بين مناطق المعارك والمناطق الآمنة التي تنعم بالسلام أكثر صعوبة مما كان في الحروب السابقة، ولن يكون في وسعنا تحديد الموعد الدقيق لبدايتها أو نهايتها، لأن الحرب الحديثة تعتمد على الأنظمة المعلوماتية الخادعة، وتستخدم فيها أعلى مستويات الحرب الافتراضية تطوراً، ويطال أذاها الأهداف العسكرية والمدنية على حد سواء.