دارت قمم مكّة الثلاث، الخليجية والعربية والإسلامية، حول الاستقرار والأمن ورفض التطرف في المنطقة، وهي أبرز القضايا التي تشغل العرب منذ عقدين من الزمان على نحو ملحّ، وبات المحيط الإسلامي الأوسع متأثراً بها.

إنّ القمم الثلاث مناسبة تماماً للشروع بعدها في الإعداد لمؤتمرات فكرية وسياسية تبحث في المفهوم الواجب تداوله اليوم للأمن القومي العربي، ودراسة إمكانية توسيع المجال لبحث مفهوم أكبر للأمن يجمع الدول الإسلامية أيضاً، ضد استهدافات قد تكون فكريَّة وإعلاميَّة أكثر منها عسكرية وأمنية.

وأنّ ذلك التمهيد الفكري والسياسي قد يقود إلى قمّة للأمن العربي، تشبه القمم الاقتصادية أو السياسية المتعارف عليها.

لكن ذلك الطريق ليس سهلاً، لأنّ معوقاته تكمن في المفاهيم الخاصة المتبلورة والمختلفة لكل دولة عربية أو إسلامية حول الأمن، إذْ لا يزال البون شاسعاً للاتفاق بين العرب فيما بينهم أو بين الدول الإسلامية حول الخطر المباشر الذي يهدّد الاستقرار والأمن.

العراق مثلاً، رفض البيان الختامي للقمة العربية الطارئة التي تحدثت عن التهديدات والاستفزازات الإيرانية، وبرر رئيس الوفد العراقي ذلك في كلمته بالقول: «إنّ حدوداً مشتركة تصل إلى ألف وأربعمئة كيلومتر، وعدداً من العلائق التاريخية والاجتماعية تجمع بين العراق وإيران»، وهو بذلك يناقض مسار القمّة كلّه، ولا يقر ما ذهبت إليه في تجميع القوى لمواجهة التهديدات الإيرانية.

والعراق يلمح إلى أنّه الدولة الوحيدة التي لها حدود بريّة مع إيران، وهو لا يرى أيّ تهديد أمني صادر منها، في رسالة ضمنية إشاريَّة، ضمن ملعب الرسائل المختلفة التي انبثقت عن القمة العربية.

وفي الوقت ذاته، هناك إجراءات إيرانية عالية المستوى، تمّت في الأشهر الأخيرة الماضية، حيث دخلت طهران في اتفاقيَّات استراتيجية مع باكستان والعراق المجاورتين لها، بما يجعل المصالح الثنائية الوطنية لهاتين الدولتين أكبر من أي مؤتمر قد تقود نتائجه إلى أطروحات تؤذي الاتفاقات الثنائية، التي باتت هي البديل الاستراتيجي لبعض الدول عن المفهوم الشامل للأمن، والذي بات من ضروب الخيال في بعض الأحيان.

برغم ذلك كلّه، فقد قالت القمم كلمة مهمة في سياق هذا التصعيد في الخليج، لكنها لا تزال كلمة غير حاسمة لاعتبارات إقليميَّة ودوليَّة مُتشعِّبَة وشائكة.