السبت - 16 نوفمبر 2019
السبت - 16 نوفمبر 2019

«ما بعد الأربعين».. ومراجعة النفس

تجاذبت أطراف الحديث مع زميل عزيز علي تجاوز الأربعين، فقال لي: بعد سن الأربعين تذهب عن النفس فورة الشباب واندفاعه، ويكون الإنسان أكثر اتزاناً في اتخاذ القرارات، فخبرات الحياة السابقة تؤثر فيه ولا بد.

وصدق في كلامه، فالحياة فيها تجارب وخبرات يصعب أن نجدها في بطون الكتب، وإنما يتعلمها الإنسان بالممارسة ومجالسة الكبار والاستفادة من خبراتهم، وهذه الخبرات المتراكمة تظهر فوائدها غالباً بعد سن الأربعين، فبعدها يتضح للعاقل أن كثيراً من الخلافات ما كان ينبغي له الدخول فيها، فالوقت أنفس من أن يذهب في قيل وقال ومجادلات لا نفع فيها، بل قد نخسر من ورائها علاقات طيبة مع بعض الأقارب والأرحام، وإذا فتشنا في السبب وجدناه لا يستحق أبداً كل هذا.

بعد الأربعين سنعرف جيداً مكانة الوالدين في الحياة، ونعرف لهما فضلهم، ونشعر بالتعب الذي بذلوه في تربيتنا وتوجيهنا، فاللهم جازهما خير الجزاء (وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا).


وبعد الأربعين سيكون الإنسان أكثر عقلانية في اتخاذ القرارات فقد يقبل بأنصاف الحلول أو قد يقبل بالانسحاب من مواجهة خاسرة، فحماسة الشباب ولت وذهبت، فأحياناً قد يختلف شاب مع مديره في العمل فيقوم بتقديم استقالته فوراً من العمل، أو قد تختلف المرأة مع زوجها فتطلب الطلاق مباشرة ولكن بعد الأربعين ستكون النظرة مختلفة للقرارات المصيرية.

وبعد الأربعين وقبلها علينا جميعاً أن نستعد للدار الآخرة بالعمل الصالح والطاعات والعبادات، فالرحيل أزف والاستعداد مطلوب، فلنحرص على إدخال السرور على الآخرين، والتسامح والتغافل عن عيوب الناس وأخطائهم، والموفق يحرص أيضاً على الخيرات الجارية التي يجري أجرها بعد موت الإنسان، فرب بئر يتكفل الواحد منا بقيمة حفرها ينتفع بها أمم من الناس، ورب حملة طبية خيرية تشارك في شيء من تكاليفها يكتب الله فيها البركة والخير والنفع لمرضى مرت السنوات الطويلة على مرضهم.

وبعد الأربعين علينا أن نراجع أنفسنا، فمرور سنوات طويلة من العمر ونحن بخير وأمن ورزق من الله من أجَل نعم الله على عبده في الدنيا، فأين شكر هذه النعم؟ وأين القيام بحقها؟ فلنكثر من حمد الله وشكره والثناء عليه، فنعم الله علينا متتابعة وخيراته وفيرة.. فاللهم يا كريم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
#بلا_حدود