في ظل حالة الانتشار الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي في منطقة الشرق الوسط، لم يعد مُجْدِياً الحديث عما هو جديد وما هو تقليدي، فالواقع يفرض نفسه، ولا بُد من التعامل معه والاستفادة من الفرص التي يقدمها والتقليل من التحديات التي يفرضها.

اليوم تبلغ نسبة الوصول إلى الإنترنت من سكان الشرق الأوسط 71 في المئة، ونسبة المستخدمين لوسائل التواصل الاجتماعي 53 في المئة، وإذا ما استثنينا من هم دون العمر الذي يؤهلهم لاستخدام هذه الأدوات فسنجد أن الغالبية العظمى من أبناء منطقتنا من المنخرطين بالإعلام بطريقة أو بأخرى، خاصة مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي.

وهذه الأرقام الكبيرة تفرض تحدياً فعلياً يتمثل في مدى التأثير الذي تخلقه المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل، وكيف تؤثر في سلوكيات أبناء المنطقة وأفكارهم وتوجهاتهم، في ظل الطوفان الهائل للمعلومات الذي يصل إليهم بكبسة زر واحدة على الهاتف الذكي.

ومع هذا الواقع لم يعد الحديث عن موضوع محو الأمية الإعلامية ترفاً بل ضرورة قصوى لحماية أبناء هذه المنطقة، لكونهم الأكثر تعرضاً للتأثيرات السلبية للمعلومات التي تبحر في الفضاء الإلكتروني، نظراً لتعدد الصراعات والنزاعات في هذه المنطقة من العالم.

اليوم علينا أن نضع مناهج تعليمية إلزامية للطلبة، ودورات تدريبية إجبارية للموظفين، نثقفهم من خلالها بكيفية التعامل مع المعلومات والمواقع التي تنشرها، وكيف نناقش أي معلومة ونحللها قبل أن نشارك في انتشارها، فلا توجد معلومة بلا هدف، وعلينا أن نسأل عن مدى مصداقية وموثوقية الناشر، وإلى ماذا يريد أن يصل؟

إن حرب الأفكار والأجندات اليوم على أشدها، وإن سلمنا منها فلن نسلم من حرب الترويج التجاري وخداع الناس، ما يؤكد أن محو الأمية الإعلامية يتعلق بكل شأن من شؤون حياتنا اليومية.

منطقتنا كحال العالم تخوض حروباً فكرية عدة في هذه المرحلة من التاريخ، وعلينا أن نحمي أبناءنا وأجيال المستقبل من هذه الهجمة المعلوماتية، وأن نقدم لها التوجيه الصحيح لتعظيم الاستفادة من هذه الأدوات والتقنيات الجديدة ونعظم الفرص التي تأتيها، وفي الوقت ذاته نُعلِّمهم كيف يتعاملون مع تحديات وسلبيات هذه الأدوات، ونثقفهم بضرورة التساؤل والتحليل لكل معلومة ومصدرها قبل أن يتم تداولها والتعامل معها كحقيقة، فكم من دول تحولت إلى فوضى وعنف نتيجة تدوير المعلومة من دون أيّ تمحيص أو تدقيق.