كتب نجيب محفوظ قصة «التنظيم السري»، وصدرت ضمن مجموعة تحمل العنوان نفسه سنة 1984؛ وأتصور أنه كتبها على خلفية اغتيال الرئيس السادات سنة1981، والاغتيالات التي تعرضت لها شخصيات مصرية قبل وبعد السادات.

وعلى الرغم من قصر القصة، نحو عشرين صفحة، فإنها تقدم لنا طريقة تجنيد الأعضاء في الخلايا السرية، وعمل تلك الخلايا أو الأسر؛ وعدد كل أسرة خمسة، وبواسطة هذه الأسر يمكن للقائد الأعلى للتنظيم أن ينفذ أي عملية في أي مكان، قبض على أحد أفراد أسرة؛ وفى السجن اعترف بكل شيء، ووجد في اليوم الثاني مسموماً داخل الزنزانة، عقاباً له من التنظيم، ويعلن في الأسرة: «هذا عقاب من لا يصون السر».

في تلك الفترة المبكرة نبهنا المبدع الكبير إلى ما بات يعرف بيننا الآن باسم «الخلايا النائمة»، في كثير من المواقع ويتم تحريكها في الوقت الذي يراه زعيم التنظيم لتنفيذ عملية ما.

وخلف كل أسرة هناك من يراقب ويرصد تحركات كل عضو منها والعقاب قاسٍ جداً إذا خرج عن السمع والطاعة؛ في أول اجتماع يحضره بطل القصة سمع من قائدها الذي جنده: «أرحب بكم في أسرتنا التي جمعتنا على الخير، هي التي أخرجتنا من العبودية، وطهَّرتنا من عبادة الأصنام، فلنجعل من الكمال زينتنا، ومن الحب رابطتنا، ومن الطاعة شعارنا، ولنعمل في نطاق ما نعرف، ولا نسأل عما لا نعرف، واحذروا الخطأ فلا خطأ يمر بلا عقاب..

وبمجرد انضمام العضو إلى الخلية أو الأسرة فإنه يتخلى عن اسمه نهائياً ويحمل اسماً جديداً حركياً، داخل الأسرة؛ حتى إذا التقطت الأجهزة الأمنية الاسم الحركي لا يمكنها العثور عليه.

وأعضاء هذه الخلايا لا يلتزمون بزي معين، يندمجون بين الآخرين، ويسمح لهم بالتردد على المقاهي، ولا ضير في الذهاب إلى بعض المواخير، المهم ألا يؤثر في الارتباط بالأسرة.. وليس يسمح بالأسئلة التي تتجاوز حدود الأسرة؛ يقول قائدها: «لسنا إلا أدوات تنفيذ».

كان محفوظ متابعاً جيداً لما يجري، سواء من خلال عمله بمؤسسة الأهرام، أو اتصالاته الواسعة بأطياف مختلفة من المثقفين والشخصيات العامة؛ ومنذ تجربة سيد قطب سنة 1954 واتهامه بسبب محاولة اغتيال عبدالناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية، كان يتابع بدقة جماعة الإخوان والتنظيمات التي خرجت منها؛ ولا ننسى اصطدامه بها سنة 1959 حين نشر «أولاد حارتنا».

حين يكون المبدع مستبصراً وصادقاً فإنه يسبق زمانه بإبداعه، وهكذا كان محفوظ في رائعته القصيرة «التنظيم السرى».