يمكن قراءة منع الصين لغوغل في بلادها وإطلاق محرك جديد من إبداعها يحمل اسم «يانديكس»، فضلاً عن اتخاذ بديل لفيسبوك وهو «رينين» ولتويتر يسمى «سينا ويبو»، بأن تحديات العالم تكمن اليوم في مراقبة الأفكار ومنسوبها ثم التأثير في المواطن بمختلف انتماءاته الفئوية.

ولا تخرج مراقبة الأفكار عن الاحتماء ضد عمليات التجسس الدقيقة، التي أصبحت تتحكم فيها أمريكا عبر تقنيات التواصل الاجتماعي، وهذا ما تنبهت إليه روسيا، وهي تسعى بدورها إلى وضع محرك «فكونتاكت» بدلاً من فيسبوك، حماية لأمنها القومي.

هذا يعني أن قوى العالم الكبرى، اليوم، بصدد حرب جديدة ترتبط بالقدرة على الفوز في سباق استخباراتي ومعلوماتي، وهذا ما أكدته جريدة «الغارديان» البريطانية في مقالة معنونة بـ «وكالة الأمن القومي الأمريكية تستهدف عملاق الاتصالات الصينية هواوي»، أي أن هناك توجساً بين دول العالم الكبرى حول الهواتف الذكية وأجهزة شبكاتها.

هذا ما يفسر وضع دونالد ترامب شركة هواوي الصينية في اللائحة التجارية السوداء، وحظر استيراد الشركة للتكنولوجيا الأمريكية، فنتج عن ذلك رفض شركة غوغل لتقديم خدماتها وتحديث «أندرويد» للشركة الصينية، وهذا لكي لا تستطيع هواوي تحديث نظام تشغيل «أندرويد» وخدماته، مثل «جيميل» و«غوغل بلاي».

الهدف الآخر من هذا القرار المتمثل في كسر طموح هواوي في الريادة العالمية تقنياً هو سياسي اقتصادي، لأن الرسالة الموجهة إلى العالم هي أن هواوي وإن غطت السوق العالمي فهي تابعة للتكنولوجيا الأمريكية، وأن سحب ترخيص «أندرويد» من هواتفها سيقزمها تكنولوجياً وسياسياً بالرغم من كون الصين دولة عظمى.

لذلك، تضغط أمريكا على الصين «لإرجاعها إلى حجمها» كمطالبتها بتسليمها مينغ وانتشو، المديرة المالية لهواوي وابنة رين تشنغ فاي مؤسس الشركة، التي اعتقلت بكندا بتهمة التجسس.

هاجس أمريكا، هو معرفة قدرات الصين في التجسس على مصالحها الاستراتيجية، وهو ما يشكل مدخلاً سيئاً للعلاقات بين البلدين، خاصة أن أمريكا أدركت أن القوة الناعمة التي اعتمدتها الصين، والتي مكنتها من إثبات ذاتها في العالم، ستزحزح ريادتها إن لم تعمل على تحجيمها.

من هنا، جاء قرار لجم استقلالية صنع الهاتف الصيني باعتماده الإجباري على أجزاء أمريكية، لأن الهدف النهائي لأمريكا هو عرقلة استحواذ الصين على السوق العالمي في سياق الجيل الخامس للهاتف النقال، لأن نجاح الصين يعني استحواذها على أجهزة التجسس والتمكن من معرفة أسرار الدول.

أمام هذه الرهانات الكبرى، تفيد بعض التقارير بأن هواوي قد خزنت كثيراً من الأجزاء المستخدمة في صناعة الهواتف النقالة، كما يفيد ريتشارد يو رئيس قسم المستهلكين بهواوي، الذي قال: «إن الشركة كانت تتوقع حرمانها من البرمجيات الأمريكية، لذلك أعدت نظامها التشغيلي الخاص»، يستفاد من هذا أن الصين تنحت مفهوماً جديداً لمعنى التدافع والمنافسة، في أفق خلق ميزان قوى مغاير، أساسه القوة الناعمة وليست القوة العنيفة.