مدينتان تناديان وتهمسان في أذن القادم وتعاتبان الراحل، ألن تحجز مقعدا في مسرحنا؟.. هل أنت في مَعرض عن عروضنا؟، كيف لك أن تكون في حضرتنا ولا تشهد إرثنا الفكري والتاريخي مجسد في عبقرية أداء أبطالنا المسرحيين، وكأنهم دلفوا للتو من حقبة تاريخية، أو انبثقوا من عصارة فكرية عتيدة؟.. هكذا حال ويست إند بلندن وبرودواي بنيويورك مع كل من يصل إليهما. فمن حضر لندن ونيويورك ولم يتمسرح، فقد فاته الكثير.

في هذا العيد أبت المشاغل أن تُخلّي سبيلنا، فجعلت وجودنا في لندن حتميًّا لا مفر منه، إلا أنني استجبت لنداء مدينة الضباب، وأجدت التسلل من زحمة الأعباء، ووجدت لنفسي فسحة في خضم التحديات، سلمت فيها السمع والبصر والفكر لعرض مسرحي بعنوان «كلهم أبنائي-All My Sons»(1947)، إحدى روائع الكاتب الأمريكي آرثر ميللر (1915-2005). كانت المقاعد ممتلئة عن آخرها، وكأنه اليوم الأخير في حياة هذا المسرح اللندني العتيق، يُخيل لك أن الحضور أدركوا أن الجمعة ما بعدها جمعة، لهذا حرصوا أن يكونوا هناك مجتمعين.

تأخذك أحداث المسرحية إلى فترة الحرب العالمية الثانية، وتجسّد صراع الأب مع الأبناء حين يعلمون بتورطه في مقتل 21 طيارًا إثر بيعه معدات تالفة للجيش الأمريكي، حيث يناقش الكاتب فكرة المسؤولية والمجتمع والفجوة بين الأجيال، وينتقد خواء الحلم الأمريكي الذي أصبح كابوسًا بتهاون الأب في مسؤوليته الأخلاقية تجاه مجتمعه.

تدهشك حالة الانسجام لثلاث ساعات لشخوص العرض وهم يجسدون ملحمة الأب مع أبنائه، ومأساة الأم المكلومة، وتشتد الحبكة الدرامية بين أمومة ممزقة، وأبوة تعتصر، وحياة عائلية متناحرة أدركها الحلم الأمريكي فاحتواها وغزاها، وعبر بها وتركها في الخواء والعراء تنتظر حُلمًا لم ير النور، وعقدًا لم يكتمل، ليخرج الحضور بعقل مدجج بالأفكار والأسئلة الحائرة، لعلهم يدركون الحكمة: بأن الحياة تستمر رغم كل شيء.

هناك مدن حُبلى بالتشوهات والمتناقضات، لكنها تهديك أجمل ما بجعبتها من سحر العبر، وجميل القيم، وحكايا البشر، وهكذا هي لندن تطحنك رحى أوقاتها المتسارعة، لكنها تودعك بلغتها المسرحية الملهمة.

في مطار هيثرو، تستشعر وكأن الكل يودعك مبتسما بلسان حاله، حضرت ووفيت، وبمسرحنا التقيت، ومع عرضنا تفاعلت واستمتعت، لتغادر توَّاقا حتى يحملك الحنين من جديد مع عرض آسر فريد، يتدفق أسرارا وعبرا وإلهاما.. إنه المسرح سيّدي..!