شيئاً فشيئاً تأخذ إيطالياً شكلاً أكثر صلابة وقوة تحت قيادة المدرب روبرتو مانشيني، فمنذ الخسارة أمام البرتغال بهدف نظيف في سبتمبر الماضي ضمن بطولة دوري الأمم الأوروبية، لم يستطع أحد إسقاط الآزوي، لتعود البهجة إلى مشجعي المنتخب الفائز بكأس العالم 4 مرات.

وتتصدر إيطاليا حالياً مجموعتها في تصفيات يورو 2020، وحققت الانتصار في مبارياتها الأربع، وإن كان حدوث هذا متوقعاً، نظراً لأن المنافسين أقل منها قوة، فالأبرز هم البوسنة واليونان وفنلندا، لكن طريقة تحقيق هذه الصدارة هي اللافتة للانتباه، وتسجيل الفريق 13 هدفاً وتلقيه لهدف واحد فقط يلخص تميز منتخب إيطاليا تحت قيادة روبرتو مانشيني.

وبعد تعيينه في مايو 2018، قال روبرتو مانشيني «تدريب المنتخب مصدر فخر لأي شخص، إنه وقت صعب يمر به المنتخب، وهناك الكثير من العمل للقيام به».

ويبدو أن مانشيني استطاع القيام بهذا العمل الكبير، فأعطى إيطاليا شكلاً واضحاً قائماً بالأساس على شكل 4-3-3، يتغير بعض الأحيان حسب الأسماء الموجودة على أرض الملعب إلى 4-2-3-1، وأظهر الفريق في الطريقتين توازناً وقدرة على اللعب باستمرارية طوال التسعين دقيقة.

استراتيجية واضحة

شرح بونوتشي أسباب تحسن إيطاليا تحت قيادة مانشيني بعد الفوز على البوسنة والهرسك بهدفين لهدف، وأرجع ذلك إلى أمرين «امتلاك المدرب لاستراتيجية واضحة، ودمج المواهب الشابة».

وتجرأ روبرتو مانشيني على القيام بشيء لم تعتده إيطاليا من قبل، وهو منح الفرصة لعدد كبير من الشباب لتمثيل المنتخب، دون الحاجة لانتظار اكتسابهم سنوات طويلة من الخبرة المحلية.

فالمنتخب يملك في خط الهجوم مويس كين (19 عاماً) وفيدريكو كييزا (21 عاماً)، ويدير أفكاره خط وسط يبلغ متوسط عمره 23.6 سنة، ومن أسمائه زانيولو (19 عاماً) ونيكولو باريلا (22 عاماً)، كما حرص على دمج الخبرة بالشباب فيما يتعلق بخط الدفاع، وهو دمج منطقي في عالم كرة القدم.

جمالية

قدرة الفريق على تقديم كرة ممتعة، فيها سرعة وجمالية أشاد بها المتابعون، تميز إيطاليا (مانشيني) وتزيد الحماسة لها أكثر من النتائج بحد ذاتها.إيطاليا الجديدة أكثر متعة وشجاعة، وأقل إيماناً واعتماداً على خط دفاعها، فهي تجعل معظم التركيز على خط وسطها، وتحاول الاستحواذ على الكرة، وفرض اللعب في منطقة الخصم، وهذا الأمر تطلب شجاعة من المدرب روبرتو مانشيني.

ويعترف روبرتو مانشيني أن هذه الشجاعة في الأداء والقيام بردات فعل أقوى من الوضع السابق لا يتعلق به وحده، بل يتعلق أيضاً بالرغبة في رد الكبرياء، إذ قال عن خيبة عدم التأهل لكأس العالم 2018 «عندما تصل الأمور لهذا السوء، فإنها رغم صعوبة الموقف، تكون بعد ذلك حافزاً لتقديم شيء أفضل، وإعطاء صورة جميلة لمستوى الفريق».

ردة الفعل هذه تظهر بتصريحات عدة لاعبين، فجميعهم يؤكدون على الرغبة في عدم تكرار ليلة السقوط الكارثية أمام السويد، وجميعهم عازمون على الوصول إلى يورو 2020، لرد اعتبار المنتخب الإيطالي، ولعل عدم وجود شيء يخسره هذا الفريق، يدفعه أكثر لتجربة أمور جديدة تنال الاستحسان حالياً.

شخصية قوية

من المعلوم أن روبرتو مانشيني يملك قوة شخصية ومبادئ ثابتة عند إدارته الفرق، ومن هذه المبادئ رفض التدخلات من قبل المسؤولين الإداريين، وهذه صفة تسببت برحيله سابقاً عن بعض الفرق مثل إنتر ميلان، وكذلك صموده أمام موجات الإعلام والجماهير التي تطالب بلعب بعض الأسماء على حساب أخرى.

المدرب ثابت حتى اللحظة على منح إيمرسون خانة الرواق الأيسر في الدفاع، ويضع الأسماء في خط الوسط حسب احتياجاته الفنية، وليس حسب الشهرة والاهتمام الإعلامي أو الفرق التي يمثلونها، كما أنه قاوم في خط الهجوم موجة الإعلام القوية بشأن مويس كين، فاستمر بمنح أسماء أخرى الفرصة الأساسية.

ومن يتابع مباريات المنتخب الإيطالي، يدرك جيداً أن اللحظات التي تظهر فيها المباراة خارجة عن سيطرة لاعبي الآزوري، يأتي فيها التدخل المباشر من روبرتو مانشيني بلمسة فنية، إما عبر تبديل لاعب، أو تغيير نهج في اللعب، فتعود الأمور إلى نصابها.

ولعل مواجهة البوسنة الأخيرة، والدفع بكييزا بين الشوطين بدلاً من كوالياريلا، يعكس قوة شخصيته في إدارة الفريق، وقدرته على قراءة مجريات المباريات وما يحتاجه فريقه ليقدم أداء أفضل، فعادت إيطاليا من الخسارة 0-1 بالشوط الأول، إلى الفوز 2-1 في نهاية اللقاء.

ولادة جديدة

لعل أفضل وصف لمنتخب إيطاليا الحالي ما جاء بعنوان لاجازيتا ديلو سبورت «ولادة جديدة»، وهي ولادة لا تتعلق فقط بالمنتخب الأول، فالفئات العمرية لمنتخبات إيطاليا تؤدي جيداً أيضاً، وعدد المواهب المحلية التي يتم الكلام عنها في الصحف، ويتسابق من أجلها الكبار في الكالشيو، تعكس فكرة مفادها «المستقبل أفضل لإيطاليا». روبرتو مانشيني الذي قاد منتخب بلاده حتى الآن في 11 مباراة، فاز في 7 منها، يعرف جيداً أن الموعد الأكبر بالنسبة له ليس التصفيات، بل بطولة يورو 2020، التي ستقام لأول مرة في 12 مدينة موزعة على 12 دولة أوروبية، فلو أجاد هناك، وقدم إيطاليا شجاعة ممتعة كالتي قدمها حتى الآن، فسيستعيد مكانته ضمن نخبة المدربين، ويعود اسمه للارتباط بأكبر أسماء الأندية في أوروبا.