أصبحت الحكمة الموروثة عن الفيلسوف العسكري الصيني «سون تزو» بمثابة المنارة العامة التي يمكن أن يسترشد بها العسكريون في شرق آسيا، ففي المجلّد الحادي عشر، الذي حمل عنوان «أوضاع الأرض التسعة» من كتابه بعنوان «فن الحرب»، لفت نظر جنرالاته إلى أفضل طريقة ممكنة لتبنّي نوع مختلف من المواقف الجيوـ استراتيجية لدحر العدو، ودعا قادته العسكريين لإخفاء نواياهم وخططهم ليس فقط عن أعدائهم، بل وعن أصدقائهم من الضباط والجنود أيضاً.

وحتى نحرم الأعداء من توقع النوايا والأهداف الحقيقية لخططنا، يتوجّب على جنرالاتنا أولاً ألا يتركوا الفرصة لمرؤوسيهم للتعرف على تلك النوايا، ودعا «تزو» لاستخدام التقارير الكاذبة والمظاهر الخادعة حتى يضمن بقاء جنوده، قبل أعدائه، في حالة الجهل التام بما يمكن أن يحدث.. ويمكن التعبير عن ذلك ببساطة بأن عليك أن تخدع أصدقاءك قبل أن تفكر بخداع عدوّك.

ويمكننا أن نسوق المبررات التي تجيز لك خداع جيشك الخاص كما يلي، فلو افترضنا أننا أرسلنا الضباط والجنود إلى عمق الأرض التي يحتلها العدو من دون أن يعرفوا المقصد الحقيقي للمهمة، ثم انقطع عليهم طريق الخروج، فلن يبقَ أمام بقيّة عناصر الفرقة العسكرية إلا خيار توحيد الصف وخوض القتال معاً بكل ضراوة.

ولا يمكننا أن نستبعد تماماً احتمال أن يكون دونالد ترامب قد لجأ إلى استخدام منهج «سون تزو» ذاته ليس لخداع أعدائه فقط، وإنما لخداع حلفائه أولاً داخل الولايات المتحدة وخارجها.

ونحن نرى الآن كيف أن مسؤولي إدارة ترامب يبدو وكأنهم يدقّون طبول الحرب بأكبر قوة ممكنة ويستعرضون عضلاتهم وإمكاناتهم العسكرية، ويعلنون عن نواياهم المبيّتة لمعاقبة إيران.

وترى دول الخليج العربي أن الأضرار التي تسببت فيها الجماعات المدعومة من إيران تهدف في الحقيقة لتعطيل البنية التحتية الحيوية لنقل النفط، وشكّلت تلك الدول جبهة موحدة لمواجهة الاستفزازات الإيرانية على المستويات الدبلوماسية والعسكرية.

والآن، يمكن للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن يختار بين أحد أمرين: فإما العمل العسكري، أو المفاوضات مع إيران تحت أقوى الضغوط الممكنة، وبدعم من الجبهة الموحدة للأمم المتحالفة مع الولايات المتحدة.

وكيفما تطورت الأمور فإن بإمكان دونالد ترامب أن يحقق الكثير من الأهداف من وراء هذا التوتر المتصاعد في الخليج، وذلك لأن الموقف الحازم ضد إيران سوف يلقى الترحيب من الجماعات اليمينية المسيحية الأمريكية، التي تعتبر الداعم الأكبر له لو أعلن عن الترشح لإعادة انتخابه.

ولا ننسى أيضاً أن معارضة بعض فئات المجتمع الأمريكي للتدخل في النزاع مع إيران يمكن أن تكون في صفّه، وهي تفرض عليه الالتزام بحدود معينة لا يمكن تجاوزها لعدد ونوع الجنود الأمريكيين، الذين يمكنه إرسالهم إلى منطقة الخليج، وأن يدعو الخليجيين والعرب بشكل عام لأن يبذلوا المزيد من الجهود المشتركة للدفاع عن أنفسهم بمساعدة القوات والمعدات العسكرية الأمريكية.