قبل أكثر من ألف عام ولد ابن سينا.. الفيلسوف والعالم، أبو الطب وأرسطو الإسلام.. كان ابن سينا عالماً موسوعيّاً، من الطب إلى الرياضيات، ومن الفلك إلى الجيولوجيا، ومن الطبيعة إلى الطب النفسي، كما كان فيلسوفاً كبيراً، قال عنه مؤرخ العلم الأشهر جورج سارتون: «ابن سينا ظاهرة فكرية عظيمة، ربما لا نجد من يعادله في ذكائه وإنتاجه الفكري، الذي يعّد مرجعاً في الفلسفة في القرون الوسطى»، وقد واجهَ ابن سينا انتقادات واسعة من الشيخين ابن تيمية وأبي حامد الغزالي.

كان والد ابن سينا من أفغانستان، أما هو فقد ولد في أوزبكستان، وفي مدينة همدان الإيرانية يوجد قبر العلّامة ابن سينا الذي أنتج أكثر من مائتي كتاب.

ثمّة مفاجأة مثيرة.. في عام 1949 قرّرت سلطات مدينة همدان تجديد ضريح ابن سينا، فأخرج الجثمان، وجرى تصويره، ثم وضع في صندوق بالشمع، ثم تمّ إعادته إلى موقعه بعد التجديد! وفي عام 1999 وبعد خمسين عاماً من التقاط صور جثمان ابن سينا، قام فريق علمي من إحدى جامعات بريطانيا بمحاولة رسم الصورة الحقيقية لابن سينا استناداً إلى الصور المأخوذة، وحسب مجلات طبية فقد كانت الجثة متحلِّلة ولكن العظام والجمجمة كانت بحالة معقولة.

قام الفريق برسم الوجه استناداً إلى الجمجمة وفتحات الأنف والأذنين والعينين، ثم جرى رسم النسيج وإعادة بناء الوجه، وقد نقلت الصحف عن الجامعة التي ينتمي إليها الفريق البحثي أنّ معدّل الدّقة في الصورة أكثر من 65، ولو أنّ أحد أقاربه رأى الصورة لتعرّف إليه وسيقول إنّه ابن سينا! كانت هناك محاولة أخرى في بريطانيا تخص أديبها الأكبر وليام شكسبير، الذي هو رمز بريطانيا الأول، وحين أحيا البريطانيون عام 2016 ذكرى مرور 400 عام على رحيله، قالت الصحف: «إن شكسبير هو الحامض النووي في تاريخ بريطانيا الثقافي».

بلغت أسطورة شكسبير مدى كبيراً إلى الحدِّ الذي أنكر البعض وجوده، وقال مؤرخون: «إن شكسبير لم يكن يكتب وحده»، وإنّ «ورش الكتابة» كانت هي الأساس، وإنّ آخرين شاركوا معه في كتابة بعض أعماله مثل مسرحية «العبرة بالخواتيم».

وفي أحد الأفلام الأمريكية، رأى الكاتب أن شكسبير لم يكتب مسرحياته، ووصل البعض إلى القول: «إن شكسبير كان يجيد القراءة بالكاد، ولا يمكن أن يجيد الكتابة بأيّ مستوى».

أغلب هذه الآراء غير صحيحة، فهناك عقود النشر، وحقوق الملكيّة والوصيّة التي تركها شكسبير، وكلها وثائق صحيحة، ولكنّ أسطورة شكسبير هي التي خلقت هذا الخيال والجِدال.

طلب عالم أنثروبولوجيا بنبش القبر وفحص جثمان شكسبير، وقد قامت السلطات البريطانية بالفعل بمسح القبر بالأشعة، وقد ظهرت عبارة «ممنوع لمس العظام أو نبش القبر.. اللعنة سوف تصيبكم».

إنّها قصة كل أسطورة، محاولة الوصول إلى شيء عنه.. ذلك الإرهاق الذهني اللامتناهي جرّاء محاولات تخيّل أشكال ووجوه الشخصيات التاريخية التي ملأت شهرتها العالم من دون صورة واحدة.